ولما ثبتت المعاقدة وأحكامها، وصف المعاقدين على طريق المدح للحث على اوصافهم فقال :﴿التآئبون﴾ مبتدئاً أوصافهم بالتوبة التي هي أساس العمل الصالح، ثم ابتدأ المؤسس بمطلق العبادة الشاملة لجميع انواع الدين من العلم وغيره فقال :﴿العابدون﴾ أي الذين أقبلوا على العبادة فأخلصوها لله ؛ ولما كان التزام الدين لا يعرف إلا بالإقرار باللسان، أتبع ذلك الحمد الذي تدور مادته على بلوغ الغاية الذي من جملته الثناء اللساني بالجميل الشامل للتوحيد وغيره فقال :﴿الحامدون﴾ ي المثنون عليه سبحانه ثناء عظيماً، تطابقت عليه السنتهم وقلوبهم فتبعته آثاره ؛ ولما كان الإقرار باللسان لا يقبل إلا عند مطابقة القلب، نلاه بالسياحة التي تدور بكل ترتيب على الاتساع الذي منه إصلاح القلب ليتسع للتجرد عن ضيق المألوفات إلى فضاء الحضرات
٣٩٠
الإلهيات فقال :﴿السائحون﴾ ولما كانت الصلاة نتيجة ذلك لكونها لعمل القلب واللسان وغيرهما من الأركان، وهي أعظم موصل إلى بساط الأنس في حضرات القدس وأعلى مجرد عن الوقوف مع المألوف.
وكان أول مراتب التواضع للعادة إلا الركوع والسجود، أشار وغايتها السجود، وكان جميع أشكال الصلاة مووافقاً للعادة إلا ركوع فيها، وأتمها ﴿الراكعون﴾ فبين أن تمام هذه البشرى لهذه الأمة ان صلاة غيرهم لا ركوع فيها، وأتمها بقوله :﴿الساجدون﴾ ولما كان الناصح لنفسه بتهذيب لسانه وقبه وجميع جوارحه لا يقبل إلا إذا بذل الجهد في نصيحه غيره كما صرح به مثال السفر في السفينة ليحصل المقصود من الدين وهو جمع الكل على الله المقتضي للتعاضد والنتناصر الموجب لدوام العبادة والنصرة وبذلك يتحقق التجرد عن كل مألوف مجانس وغير مجانس، أتبع ذلك قوله :﴿الآمرون بالمعروف﴾ أي السنة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٩٠


الصفحة التالية
Icon