ولما تواترت النواهي للمتخلفين وتواصلت الزواجر وتعاظم الت التبكيت والتهديد، طارت القوب وأشفقت النفوس، فكان ذلك مظنة أن لا يتخلف بعدها احد عن رسول الله ﷺ وعمن يقوم مقامه فيتمكن حينئذ الأعداء من الأموال والذراري والعيال، فأتبع ذلك قوله تعالى :﴿وما كان المؤمنون﴾ أى الذين حثهم على النَّفر الرسوخ في الإيمان ﴿لينفروا كآفة﴾ أى جميعاً فإن ذلك بخل بكثير من الأغراض الصالحة، وهو تعليم لما هو الأنسب بالدين والدنيا من انقسام الناس قسمين : قسماً للجهاد، وقسماً للنفقة وحفظ الأموال والأولاد، كل ذلك بأمره عليه الصلاة والسلام والعمل بما يرضاه، ولا يخفى ذلك على المخلص، ولعل التعبير بالفعل الماضي في قوله مسبباً عما قبله :﴿فلولا نفر﴾ ليفهم تبكيت من قصد تبكيته من المختلفين في جميع هذه السورة بأنه كان عليهم أن يقع على ثلاثة ﴿منهم طائفة﴾ أى ناس لا ينفكون حافين بالنبي ﷺ يلزمونه، قيل : والطائفة واحد واثنان، فالآية حجة على قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وكأنه عبر أى ليكلف النافرون كما هو أصل مدلولها الأغلب فيه ﴿ليتفقهوا﴾ أقواله ويرونه من جميل افعاله ويصل إلى قلوبهم من مستنير احواله، وهذا غاية الشرف للعلم حيث جعل غاية الملازمة له ﷺ للجهاد، هذا إن كان هو ﷺ النافر في تلك الغزاة، وغن كان غيره كان ضمير ﴿يتفقهوا﴾ للباقين معه صلى الله عليه وسلم
٤٠٢