ولما ذكر ما ما يحدث منهم من القول استهزاء، أتبعه تأكيداً لزيادة كفرهم وتوضيحاً لتصويره ما يحدث من فعلهم استهزاء من الإيمان والتغامز بالعيون فقال ﴿وإذا﴾ وأكد بانافي فقال :﴿ما﴾ ولما كان الغرض نفس الإنزال لا تعيين المنزل، بني للمفعول قوله ﴿أُنزلت سورة﴾ أي طائفة من القران ﴿نظر بعضهم﴾ أي المنافقين ﴿إلى بعض﴾ أي متغامزين سخرية واستهزاء قائلين :﴿هل يراكم﴾ وأكدوا العموم فقالوا :﴿من أحد﴾ أي من المؤمنين إن انصرفتم، فإن يشق علينا سماع مثل هذا، ويشق علينا أن يطلع المؤمنون على هذا السر منا.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٠٥
ولما كان انصرافهم عن مثل هذا المقام مستهجناً، أشار إلى شدة قبحه بأداة التراخي فقال :﴿ثم انصرفوا﴾ أي إن لم يكن أحد يراهم، وإن رآهم أحد من المؤمنين تجشموا المشقة وثبتوا ؛ ولما كانوا مستحقين لكل سوء، أخبر عنهم في أسلوب الدعاء بقوله :﴿صرف الله﴾ أي الذي له الغنى المطلق والكمال كله ﴿قلوبهم﴾ أي عن الإيمان ؛ ثم علل ذلك بقوله :﴿بأنهم قوم﴾ وإن كانوا ذوي قوة على ما يحاولونه فإنهم ﴿لا يفقهون*﴾ أي قلوبهم مجبولة على عدم الفهم لما بها من الغلطة، وهذا دليل على ختام الآية قبلها، وهاتان الآيتان المختتمتان-ب ﴿لا يفقهون﴾ التاليتان للأمر بالجهاد في قوله ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ الموازي - ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ الآية - قد احتوتا مع وجازتهما على حاصل أوصاف المنافقين التالية لآية( انفروا) المختتم ما هو العام منها في أهل الحاضرة في قوله ﴿استأذنك أولوا الطول منهم﴾ ب ﴿يفقهون﴾ ثم عند إعادة ذكرهم ب ﴿لا يعملون﴾ وتصويب هاتين الآيتين إلى أهل الحاضرة ظاهر لكونهم
٤٠٦
ممن يحضر نزول الذكر كثيراً مع احتمالها للعموم، والختم هناب ﴿لا يفقهون﴾ أنسب لأن المقام - وهو النظر في زيادة الإيمان بالنسبة إليهم-يقتضي فكراً وتأملاً وإن كان بالنظر إلى المؤمنين في غاية الوضوح.