ولما كانت الوصية نوعاً من أنواع العهد، أمر بوفاء ما هو أعم منها فقال تعالى :﴿وأوفوا﴾ أي أوقعوا هذا الجنس في الزمان والمكان، وكل ما يتوقف عليه الأمر المعاهد عليه ويتعلق به ﴿بالعهد﴾ أي بسببه ليتحقق الوفاء به ولا يحصل فيه نقص ما، وهو العقد الذي يقدم للتوثق.
ولما كان العلم بالنكث والوفاء متحققاً، كان العهد نفسه كأنه هو المسؤول عن ذلك، فيكون رقيباً على الفاعل به، فقال تعالى مرهباً من المخالفة :﴿إن العهد كان﴾ أي كوناً من يتأتى منه السؤال.
ولما كان التقدير بالكيل أو الوزن من جملة الأمانات الخفية كالتصرف لليتيم، وكان الائتمان عليه كالمعهود فيه، أتبعه قوله :﴿وأوفوا الكيل﴾ أي نفسه فإنه أمر محسوس لا يقع فيه إلباس واشتباه ؛ ولما كان صالحاً لمن أعطى ومن أخذ، قال :﴿إذا كلتم﴾ أي لغيركم، فإن اكتلتم لأنفسكم فلا جناح عليكم غن تقصتم عن حقكم ولم توفوا الكيل ﴿وزنوا﴾ أي وزناً متلبساً ﴿بالقسطاس﴾ أي ميزان العدل الذي هو أقوم الموازين، وزاد في تأكيد معناه فقال تعالى :﴿المستقيم﴾ دون شيء من الحيف على ما مضى في الكيل سواء ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي الرتبة الذي أمرناكم به ﴿خير﴾ لكم في
٣٧٩
الدنيا والآخرة وإن تراءى لكم أن غيره خير ﴿وأحسن تأويلاً*﴾ أي عاقبة في الدارين، وهو تفعيل من الأول وهو الرجوع، وأفعل التفضيل هنا لاستعمال النصفة لإرخاء العنان، أي على تقدير أن يكون في كل منهما خير، فهذا الذي أزيد خيراً والعاقل لا ينبغي أن يرضى لنفسه بالدون.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٣٧٩