ولما كان قد تقدم غليه بأنه لا بد أن يظهر أمره على كل أمر، علله بقوله مؤكداً لأن إنفاذ مثل ذلك في محل الإنكار لعظم المخالفين وكثرتهم مظهراً غير مضمر لئلا يظن التقييد بحيثية الطبع :﴿إن وعد الله﴾ أي الذي له الكمال كله في كل ما وعدك به
﴿
٦٤٦
الذي منه نصرك وإظهار دينك على الدين كله ونصر من قارب اتباعك في التمسك بكتاب من كتب الله وإن كان قد نسخ على من لا كتاب له {حق﴾
أى ثابت جداً يطابقه الواقع كما يكشف عنه الزمان، وتأتي به مطايا الحدثان.
جزء : ٥ رقم الصفحة : ٦٤٤
ولما كان التقدير : فلا تعجل، عطف عليه قوله :﴿ولا يستخفنك﴾ أى يحملنك على الخفة ويطلب أن تخف باستعجال النصر خوفاً من عواقب تأخيره أو بتفتيرك عن التبليغ، بل كن بعيداً منهم بالغلظة والجفاء والصدع بمر الحق من غير محاباة ما، بعداً لا يطمعون معه أن يحتالوا في خفتك في ذلك بنوع احتيال، وقراءة " يستحقنك " من الحق معناها : أي لا يطلب منك الحق الذي هوالفصل العدل بينك وبينهم أى لا تطلبه أنت، فهو مثل : لا أرينك ههنا تنهى نفسك وأنت تريد نهيه عن الكون بحيث تراه، والنهي في قراءة الجماعة بالثقيلة أشد منه في رواية روسي عن يعقوب بالخفيفة، فقراءة الجماعةة مصوبة إلى أصل الدين، أى لا تفعل معهم فعلاً يطمعهم في أن تميل إليهم فيه، وقراءة رويس إلى نحو الأموال فإنه كان يتألفهم بالإيثار بها، ولا شك أنه إذا آثرهم على أكابر المسلمين أطمعهم ذلك في أن يطلبوا أن يميل معهم، وما أفاد هذا إلا تحويل النهي، ولو قيل : لا تخفن معهم، لم يفد ذلك، ولا يقال عكس هذا من أن النهي في الثقيلة أخف لأنه نهي عن الفعل المؤكد فيبقى أصل الفعل.
وكذا ما صحبه تأكيد خفيف، وفي الخفيفة غير المؤكد تأكيداً خفيفاً فلا يقى غير أصل الفعل فهو أبلغ، لأن النون لم تدخل إلا بعد دخول الناهي فلم تفد غلا قوة النهي لا قوة المنهي عنه - والله أعلم.


الصفحة التالية
Icon