ولما كان هذا عند من لا يعلم أعظم استبعاداً من استبعادهم إعادة الموتى، قال دالاً عليه مقرباً له إلى العقول بتشبيه الإعادة بالإبداء، في تناول القدرة لهما على السواء، فإنه كما أخرجه بعلم من خزائن قدرته كذلك يرده بعلمه في خزائن قدرته، كما يصنع في نور السراج ونحوه إذا أطفىء، فكذا في غيره من جميع الأشياء ﴿كما﴾ أي مثل ما ﴿بدأنا﴾ أي بما عُلم لنا من العظمة ﴿أول خلق﴾ أي تقدير أيّ تقدير كان، نكره ليفيد التفصيل واحداً واحداً، بمهنى أن كل خلق جل أو قل سواء في هذا الحكم، وهو أنا ﴿نعيده﴾ أي بتلك العظمة بعينها، غير ناسين له ولا غافلين ولا عاجزين عنه، فما كان متضامّ الأجزاء فمددناه نضمه بعد امتداده، وما كان ميتاً فأحييناه نميته بعد حياته، وما كان حياً فأمتناه نحييه بعد موته، ونعيد ممنهم من التراب من بدأناه منه، والحاصل أن من أوجد شيئاً لا يبعد عليه التصرف فيه كيفما كان ؛ ورى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خطب النبي ﷺ فقال :"إنكم محشورون إلى الله غرلاً ﴿كما بدأنا أول الخلق نعيده﴾ - الآية، أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، ألا إنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يارب! أصحابي! فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح ﴿كنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم - إلى قوله - شهيد﴾ فيقال : إن هؤلاء لم يوالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.
" ثم أعلم أن ذلك أمر لابد منه بالتعبير بالمصدر تأكيداً لما أنكروه وبالغوا في إنكاره فقال :
١١٦
﴿وعداً﴾ وأكد بقوله :﴿علينا﴾ وزاده بقوله :﴿إنا كنا﴾ أي أزلاً وأبداً، على حالة لا تحول ﴿فاعلين﴾ أي شأننا أن نفعل ما نريد، لا كلفة علينا في شيء من ذلك بوجه.


الصفحة التالية
Icon