ولما كان من لازم البراءة من شخص الإيقاع به كان موضع أن يقولوا هزؤاً على عادتهم : نبذت إلينا على سواء فعجل لنا ما تتوعدنا به، فقال :﴿وإن﴾ أي وما ﴿أدري أقريب﴾ جداً بحيث يكون قربه على ما تتعارفونه ﴿أم بعيد ما توعدون*﴾ من عذاب الله في الدنيا بأيدي المسلمين أو بغيره، أو في الآخرة مع العلم بأنه كائن لا محالةن وأنه لا بد أن يلحق من أعراض الله الذل والصغار.
جزء : ٥ رقم الصفحة : ١٢٤
ولما كان من المقطوع به من كون الشك إنما هو في القرب أو البعد أن يكون
١٢٦
التقدير : لكنه محقق الوجود، لأن الله واحد لا شريك له، وقريب عند الله، لأن كل ما حقق إيجاده قريب، علله بقوله :﴿إنه﴾ أي الله تعالى ﴿يعلم الجهر﴾ لما كان الجهر قد يكون في الأفعال، بينه بقوله :﴿من القول﴾ مما تجاهرونه به من العظائم وغير ذلك، ونبه الله تعالى على ذلك لأن من أحوال الجهر أن ترتفع الأصوات جداً بحيث تختلط ولا يميز بينها ولا يعرف كثير من حاضريها ما قاله أكثر القائلين، فأعلم سبحانه أنه لا يشغله صوت عن آخر ولا يفوته شيء عن ذلك ولو كثر ﴿ويعلم ما تكتمون*﴾ مما تضمرونه من المخازي كما قال تعالى أولها ﴿قل ربي يعلم القول في السماء والأرض﴾ ومن لازم ذلك المجازاة عليه بما يحق لكم من تعجيل وتأجيل، فستعلمون كيف يخيب ظنونكم ويحقق ما أقول، فتقطعون بأني صادق عليه ولست بساحر، ولا حالم ولا كاذب ولا شاعر، فهو من أبلغ التهديد فإنه لا أعظم من التهديد بالعلم.
ولما كان الإمهال قد يكون نعمة، وقد يكون نقمة، قال :﴿وإن﴾ وما ﴿أدري﴾ أي ايكون تأخير عذابكم نعمة لكم كما تظنون أو لا.


الصفحة التالية
Icon