على رده ﴿إليك الكتاب﴾ أي بهذا الاعتقاد ولا بشيء منه ؛ ولا كان هذا من شأنك، ولا سمعه أحد منك يوماً من الأيام، ولا تأهبت لذلك أهيته العادية من تعلم خط أو مجالسة عالم ليتطرق إليك نوع اتهام، كما يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها ﴿وما كنت تتلوا من قبله الكتاب﴾ [العنكبوت : ٤٨] واختير هنا لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ثمراتها الاجتماع المحكم، وذلك مدلول الكتاب ؛ ثم قال :﴿إلا﴾ أي لكن ألقي إليك الكتاب ﴿رحمة﴾ أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلاءق بك، لم تكن ترجوها ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك، بالدعاء إليه وقصر الهمم عليه، وعبر بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل النبوة من التنزه عن عبادة الأوثان وهن القرب منها والحلف بها وعن والفواحش جميعاً، ومن الانقطاع إلى الله بالخلوة نعه والتعبد له توفيقاً من الله كان حال من يرجو ذلك.
جزء : ٥ رقم الصفحة : ٥٢٧
ولما تسبب عما تقدم الاجتهاد في تحريك الهمم إلى العكوف على أمر الله طمعاً فيما عنده سبحانه من الثواب، وشكراً على إنزال الكتاب، قال في سياق التأكيد لأن الطبع البشري قتضي إدراك مظاهرة الكفار لأمر من التوفيق عظيم، لكثرتهم وقوتهم وعزتهم :﴿فلا تكونن﴾ إذ ذاك بسبب اتصافهم لك لكثرتهم ﴿ظهيراً﴾ أي معيناً ﴿للكافرين*﴾ بالمكث بين ظهرانيهم، أو بالفتور عن الاجتهاد في دعائهم، يأساً منهم لما ترى من بعدهم من الإجابة وإن طال إنذارك، لا تمل أنت كما لم نمل نحن، فقد وصلنا لهم القول، وتابعنا لهم الوعظ والقص، ونحن قادرون على إهلاكهم في لحظة، وهدايتهم في أقل من لمحة، وكما أن موسى عليه الصلاة والسلام بعد الإنعام عليه لم يكن ظهيراً للمجرمين، وهذا تدريب من الله تعالى لأئمة الأمة فب الدعاء إلى الله عند كثرة المخالف، وقلة الناصر المحالف.