ولما كانوا ربما قالوا في تعنتهم : فلعله مثل ما أوحي إليك بعلم ما لم تكن تعلم، يوحي إليك بالقدرة على ما لم تكن تقدر عليه، فتعجل لنا الموت ثم البعث لنرى ما اخبرتنا به من التخاصم مصوراً، لعلناً نصدقك فيما أتيت به، قال مجيباً لهم قاصراً للوحي على قصره على النذارة وهي إبلاغ ما أنزل إليه، لا تعجيل شيء مما توعدوا به :﴿إن﴾ أي ما ﴿يوحى﴾ أي في وقت من الأوقات، وبناه للمفعول لأن ذلك كاف في تنبيههم على موضع الإشارة في أن دعواه إنما هي النبوة لا الإلهية ﴿إليّ إلا﴾ ولما كان الوحي قولاً قرأ أبو جعفر بكسر ﴿إنما أنا نذير﴾ أي قصري على النذارة لا أنجز ما يتوعد به الله ؛ فإنما مفعول يوحى القائم مقام الفاعل في القراءتين وإن اختلف التوجيهان فالتقدير على قراءة الجماعة بالفتح : إلا الإنذار أو إلا كوني نذيراً، وعلى قراءة الكسر : إلا هذا القول وهو أني لكم كذا ﴿مبين*﴾ أي لا أدع لبساً فيما ابلغه بوجه من الوجوه.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٤٠٠
ولما دل على أنه نذير، وأزال ما ربما أوردوه عليه، أتبعه ظرف اختصام الملأ الأعلى، أو بدل " إذ " الأولى فقال :﴿إذ﴾ أي حين ﴿قال﴾ ودل على أنه هذا كله
٤٠٢
إحسان إليه وإنعام عليه بذكر الوصف الدال على ذلك، ولفت القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أقعد في المدح وأدل على أنه كلام الله كما في قوله :﴿قل من كان عدواً لجبريل﴾ [البقرة : ٩٧] دليلاً يوهم أنه ظرف ليوحى أو لنذير فقال :﴿ربك﴾ أي المحسن إليك بجعلك خير المخلوقين وأكرمهم عليه فإنه أعطاك الكوثر، وهو كل ما يمكن أن تحتاج إليه ﴿للملائكة﴾ وهو الملأ الأعلى وإبليس منهم لأنه كان إذ ذاك معهم وفي عدادهم.