أنها أربع، ولعل ذلك معنى ﴿أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين﴾ [غافر : ١١] وسميت إماتة لشدة الغشي بها لعظم أمرها ومعنى زلزلة الساعة التي تسكر، ويؤيده التعبير عن القيام منها بالإفاقة لا بالبعث، ولا يعكر على هذا شيء إلا رواية البخاري في الخصومات "فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا موسى" إلى آخره، فالظاهر أن راويها وهم، أو روى المعنى فما وفي بالغرض، والراجح روايات من قالوا "فأكون أول من يفيق" بالكثرة وبزوال الإشكال، هذا ما كان ظهر لي في النظر في المعنى وتطبيق الآيات والأحاديث عليه، ثم
٤٧٤
رأيت شيخنا حافظ عصره أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني المصري رحمه الله نقل ما جمعت به بين الروايات في كتاب الأنبياء من شرحه للبخاري عن القاضي عياض فقال : وقال عياض : يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٤٧٠
وأقره على ذلك ثم نقل عن ابن حزم عين ما قلته في النفخات فقال ما نصه : تكميل : زعم ابن حزم أن النفخات يوم القيامة أربع : الأولى نفخة إماتة يموت فيها من بقي في الأرض، حياً، ثانيها نفخة إحياء فيقوم كل ميت، والثالثة نفخة فزع وصعق يفيقون منها كالمغشي عليهم، لا يموت منها أحد، والرابعة إفاقة من ذلك الغشي، ثم رده شيخنا بأن الصعقات أربع، ولا يستلزم كون النفخات أكثر من اثنتين، وذلك أنه ينفخ في الصور النفخة الأولى فيموت من كان حياً ويغشى على من كان ميتاً، فهاتان صعقتان في النفخة الأولى، وينفخ النفخة الثانية فيفيق من كلن مغشياً عليه ويحيى من كان ميتاً، فهاتان اثنتان في النفخة الثانية، وهذا الرد مردود لمن حقق ما قلته بأدنى تأمل، ويلزم عليه أن يكون أصفياء الله أشد حالاً وفزعاً ممن تقوم عليهم الساعة وهم شر عباد الله، والعجب أن الذي رده على ابن حزم سلّمه لعياض - والله الموفق.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٤٧٠


الصفحة التالية
Icon