ولما كان الأمر بشغل هذين الوقتين أمراً لشغل غيرهما من باب الأولى، لأن أول النهار وقت الاشتغال بالأعمال والاهتمام بالابتداء والتمام، وآخره وقت التهيؤ للراحة والمقيل بالأكل والشرب وما يتبعهما، وكان ذلك موجباً للاشتغال عن أعداء الدين رأساً، وكان ذلك لأن خذلانهم أمر قد نوع منه فقال معللاً للمداومة على الطاعة :﴿إن الذين يجادلون﴾ أي يناصبون بالعداوة ولتقل أهل هذا الدين عنه إلى ما هم عليه من الباطل، ولفت القول إلى الجلالة الدالة على نهاية العظمة تهويناً لشأنهم فقال :﴿في آيات الله﴾ أي الملك الأعظم الدالة على تمام قدرته اللازم منه قدرته على البعث الذي في تذكره صلاح الدين والدنيا ﴿بغير سلطان﴾ أمر مسلط ودليل مسلك ﴿أتاهم إن﴾ أي ما ﴿في صدورهم﴾ بصدورهم عن سواء السبيل، وآذن ذكر الصدور التي هي مساكنها ﴿إلا كبر﴾ أي عن اتباع الحق مع أشراق ضيائه واعتلاء لألائه إرادة إطفائه أو إخفائه، والكبر إرادة التقدم والتعظم والرئاسة، وأن يكون مريد ذلك فوق كل أحد ﴿ما هم ببالغيه﴾ أي ببالغي مقتضاه من إبطال الدين متكبراً على أن يكونوا تحت أوامره، لا يبلغون ذلك بوجه من الوجوه، ولا بد أن يظهر بنصر الرسول ومن تبعه من المؤمنين على أهل الكتاب والمشركين وغيرهم من أنواع الكافرين، ثم يبعثون فيكون أعداؤهم أسفل سافلين صغرة داخيرن.
ولما ظهر من أول هذا الكلام وآخره تصريحاً وتلويحاً بما أفاده أسلوب كلام القادرين المصوغ لأعم من يمكن أن يحظر في البال أنه تعالى وصف نفسه في مطلع السورة بأنه غالب لكل شيء ولا يغلبه شيء وأن الذي بهم إنما هو إرادة أن يكونوا
٥٢٦
عالين غالبين، عنه قوله تعالى :﴿فاستعذ﴾ أي اطلب العوذ ﴿بالله﴾ المحيط بك شيء من شر كبرهم كما عاذ به موسى عليه السلام لينجز لك ما وعدك كما أنجز له، ثم علل ذلك بقوله :﴿إنه﴾ أي على ما له من البطون ﴿هو﴾ أي وحده ﴿السميع﴾ لكل ما يمكن أن يسمع.