يوجدون الكبر، ودل على أن المراد بالدعاء العبادة بقوله :﴿عن عبادتي﴾ أي عن الاستجابة لي فيما دعوت من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي في جميع ما ينوبهم في الشدة والرخاء ﴿سيدخلون﴾ بوعد لا خلف فيه ﴿جهنم﴾ فتلقاهم جزاء على كبرهم بالتهجم والعبوسة والكراهة ﴿داخرين*﴾ أي صاغرين حقيرين ذليلين، فالآية من الاحتباك : ذكر الدعاء أولاً دليلاً على حذفه ثانياً، والعبادة ثانياً دليلاً على حذفها أولاً.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥٢٦
ولما ختم ذلك أيضاً بأمر الساعة، زاد في الدلالة عليه وعلى الفعل بالاختيار والحكمة التي لا يسوغ معها إهمال الخلق من غير حساب، في دار ثواب وعقاب، بعد الإتقان لدار العمل بالخطإ والصواب، فقال معللاً مفتتحاً بالاسم الأعظم الذي لا يتخيل أن المسمى به يهمل المتكبرين عيله مع الإبلاغ في الإحسان إليهم ﴿الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿الذي جعل لكم﴾ لا غيره ﴿الّيل﴾ أي مظلماً ﴿لتسكنوا فيه﴾ راحة ظاهرية بالنوم الذي هو الموت الأصغر، وراحة حقيقية بالعبادة التي هي الحياة الدائمة ﴿والنهار مبصراً﴾ لتنتشروا فيه باليقظة التي هي إحياء في المعنى، فالآية من الاحتباك : حذف الظلام أولاً لكونه ليس من النعم المقصودة في أنفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة الضياء المقصود في نفسه، وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار لما دل عليه من السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل : للراحة لما أرادها، لما اعتمدها واستزادها.
ولما كان بعض الكفرة ينسب الأفعال كما مضى للطبائع ويجعلها بغير اختيار، قال مستأنفاً أو معللاً مؤكداً :﴿إن الله﴾ أي ذا الجلال والإكرام ﴿لذو الفضل﴾ أي عظيم جداً ياختياره ﴿على الناس﴾ أي كافة باختلاف الليل والنهار وما يحتويان عليه من المنافع.


الصفحة التالية
Icon