ولما ذكر المسكين ذكر الساكن دالاً على أنه الفاعل في الكل باختياره وتمام قدرته بتصويره الإنسان بصورة لا يشبهها صورة شيء من الحيوانات، وفاوت بين أفراده في هيئة تلك الصورة على أنحاء لا تكاد تنضبط في نفسها، ولا تسبه واحدة منها الأخرى، ولا في الخافقين شيء يشبهها محال تصويرها عليه فقال :﴿وصوركم﴾ والتصوير على غير نظام واحد لا يكون بقدرة قادر تام القدرة مختار لا كما يقول أهل الطبائع ﴿فأحسن صوركم﴾ على أشكال وأحوال مع أنها أحسن الصور ليس في الموجود ما
٥٣٢
يشبهها، وليس فيها صورة تشبه الأخرى لتسدوا انطباع تصويرها إليه، فثبت قطعاً أنه هو المصور سبحانه على غير مثال كما أنه الذي أبدع الموجود كله كذلك.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥٣١
ولما ذكر المسكن والساكن، ذكر ما يحتاج إليه في مدة السكن فقال :﴿ورزقكم من الطيبات﴾ الشهية الملائكة للطبائع النافعة على وجه لا احتياج معه بوجه، فلا دليل أدل على تمام العلم وشمول القدرة ووجود الاختيار من هذا التدبير في حفظ المسكين والسقف وتدبير ما به البقاء على وجه يكفي الساكن من جميع الوجوه على مر السنين وتعاقب الأزمان، وبث من الساكن - مع أنه قطعة يسيرة جداً من أديم الأرض - أنسالاً شعبهم شعباً فرعها إلى فروع لا تسعها الأرض، فدبر بحكمته وسعة علمه وقدرته تدبيراً وسع لهم به الأرض، وعمهم به الرزق، كما روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن الحسن أنه قال : لما خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام وذريته قالت الملائكة عليهم السلام : إن الأرض لا تسعهم، قال : فإني جاعل موتاً، قالوا : إذا لا يهنأهم العيش، قال : فإني جاعل أملاً.