ولما كان الإذن في الانتصار في هذا السياق المادح مرغباً فيه مع ما للنفس من الداعية إليه، زجر عنه لمن كان قلب أولاً بكفها عن الاسترسال فيه وردها على حد المماثلة، وثانياً بيسميته سيئة وإن كان على طريق المشاكلة، وثالثاً بالندب إلى العفو، فصار المحمود منه إنما هو ما كان لإعلاء كلمة الله لا شائبة فيه للنفس اصلاً فقال :﴿وجزاء سيئة﴾ أي أي سيئة كانت ﴿سيئة مثلها﴾ أي لا تزيد عليها في عين ولا معنى أصلاً، وقد كلفت هذه الجمل بالدعاء إلى أمهات الفضائل الثلاث العلم والعفة والشجاعة على أحسن الوجوه، فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم، وبالنفقة
٦٤٠
إلى العفة، وبالانتصار إلى الشجاعة، حتى لا يظن ظان أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل، والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل، وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث، فإن من علم المماثلة كان عالماً، ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفاً، ومن قصر نفسه على ذلك كان شجاعاً، وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول للعاجز والثاني للمتغلب المتكبر بدليل البغي.
ولما كان شرط المماثلة نادباً بعد شرع العدل الذي هو القصاص إلى العفو الذي هو الفصل لأن تحقق المثلية من العبد الملزوم للعجز لا يكاد يوجد، سبب عنه قوله :﴿فمن عفا﴾ أي بإسقاط حقه كله أو بالنقص عنه لتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة ﴿وأصلح﴾ أي أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس، فيكون بذلك منتصراً من نفسه لنفسه ﴿فأجره على الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم، وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله ﷺ :"ما زاد عبداً بعفو إلا عزاً ".
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٦٤٠