ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم، أتبعهم من كان مشاركاً لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك، فقال مكرراً لتخويفهم دالاً على إحاطة قدرته بإحاطة علمه، ﴿ولقد أهلكنا﴾ بما لنا من العظمة والقدرة المحيطتين الماضيتين بكل ما نريد ﴿ما حولكم﴾ أي يا أهل مكة ﴿من القرى﴾ كأهل الحجر وسبا ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس وثمود وغيرهم ممن فيهم معتبر، ولما كان الموعوظ به الإهلاك ذكر مقدماً، فتشوف السامع إلى السؤال عن حالهم في الآيات فقال عاطفاً بالواو التي لا يمنع معوطفها التقدم على ما عطف عليه :﴿وصرفنا الآيات﴾ أي حولنا الحجج البينات وكررناها موصلة مفصلة مزينة محسنة على وجوه شتى من الدلالات، خالصة عن كل شبهة.
ولما كان تصريف الآيات لا يخص أحداً بعينه، بل هو لكل من رآه أو سمع به لم يقيدها بهم وذكر العلة الشاملة لغيرهم فقال :﴿لعلهم﴾ أي الكفار ﴿يرجعون *﴾ أي ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات حال من يرجع عن الغي الذي كان يركبه لتقليد أو شبهة كشفته الآيات وفضحته الدلالات فلم يرجعوا، فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكنا لهم.
ولما كانوا قد جعلوا محط الهم في الشركاء أنهم سبب التواصل بينهم والتفاوت، وادعوا أنهم يشفعون فيهم فيقربونهم إلى الله زلفى ويمنعونهم من العذاب في الآخرة، وكان أددنى الأمور التسوية بينه وبين عذاب الدنيا، سبب عن أخباره عن إهلاك الأمم الماضية قوله مقدماً للعلة التي جعلها محط نظرهم منكراً عليهم موبخاً لهم :
١٣٩


الصفحة التالية
Icon