ثم فيه لطائف : اللطيفة الأولى : أن العالمين إشارة إلى كل ما سوى الله فقوله :﴿رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ إشارة إلى أن كل ما سواه فهو مفتقر إليه محتاج في وجوده إلى إيجاده، وفي بقائه إلى إبقائه، فكان هذا إشارة إلى أن كل جزء لا يتجزأ وكل جوهر فرد وكل واحد من آحاد الأعراض فهو برهان باهر ودليل قاطع على وجود الإله الحكيم القادر القديم، كما قال تعالى :﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَه وَلَـاكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ (الإسراء : ٤٤).
اللطيفة الثانية : أنه تعالى لم يقل الحمد لله خالق العالمين، بل قال :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ والسبب فيه أن الناس أطبقوا على أن الحوادث مفتقرة إلى الموجد والمحدث حال حدوثها، لكنهم اختلفوا في أنها حال بقائها هل تبقى محتاجة إلى المبقي أم لا ؟
فقال قوم : الشيء حال بقائه يستغني عن السبب، والمربي هو القائم بإبقاء الشيء وإصلاح حاله حال بقائه، فقوله :﴿رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ تنبيه على أن جميع العالمين مفتقرة إليه في حال بقائها، والمقصود أن افتقارها إلى الموجد في حال حدوثها أمر متفق عليه، أما افتقارها إلى المبقي والمربي حال بقائها هو الذي وقع فيه الخلاف فخصه سبحانه بالذكر تنبيهاً على أن كل ما سوى الله فإنه لا يستغنى عنه لا في حال حدوثه ولا في حال بقائه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
اللطيفة الثالثة : أن هذه السورة مسماة بأم القرآن فوجب كونها كالأصل والمعدن، وأن يكون غيرها كالجداول المتشعبة منه/ فقوله :﴿رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ تنبيه على أن كل موجود سواه فإنه دليل على إلهيته.
ثم إنه تعالى افتتح سوراً أربعة بعد هذه السورة بقوله :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فأولها : سورة الأنعام وهو قوله :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَـاتِ وَالنُّورَ ﴾ واعلم أن المذكور ههنا قسم من أقسام قوله :﴿رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ لأن لفظ العالم يتناول كل ما سوى الله، والسموات والأرض والنور والظلمة قسم من أقسام ما سوى الله، فالمذكور في أول سورة الأنعام كأنه قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة، وأيضاً فالمذكور في أول سورة الأنعام أنه خلق السموات والأرض ؛ والمذكور في أول سورة الفاتحة كونه رباً للعالمين، وقد بينا أنه متى ثبت أن العالم محتاج حال بقائه إلى إبقاء الله كان القول باحتياجه حال حدوثه إلى المحدث أولى، أما لا يلزم من احتياجه إلى المحدث حال حدوثه احتياجه إلى المبقي حال بقائه، فثبت بهذين الوجهين أن المذكور في أول سورة الأنعام يجري مجرى قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة.
وثانيها : سورة الكهف، وهو قوله :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَـابَ﴾ والمقصود منه تربية الأرواح بالمعارف، فإن الكتاب الذي أنزله على عبده سبب لحصول المكاشفات والمشاهدات، فكان هذا إشارة إلى التربية الروحانية فقط، وقوله في أول سورة الفاتحة :﴿رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ إشارة إلى التربية العامة في حق كل العالمين، ويدخل فيه التربية الروحانية للملائكة والإنس والجن والشياطين والتربية الجسمانية الحاصلة في السموات والأرضين، فكان / المذكور في أول سورة الكهف نوعاً من أنواع ما ذكره في أول الفاتحة.
وثالثها : سورة سبأ، وهو قوله :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَه مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ﴾ فبين في أول سورة الأنعام أن السموات والأرض له، وبين في أول سورة سبأ أن الأشياء الحاصلة في السموات والأرض له، وهذا أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
ورابعها : قوله :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ﴾ (فاطر : ١) والمذكور في أول سورة الأنعام كونه خالقها لها، والخلق هو التقدير، والمذكور في هذه السورة كونة فاطراً لها ومحدثاً لذواتها، وهذا غير الأول إلا أنه أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾.
ثم إنه تعالى لما ذكر في سورة الأنعام كونه خالقاً للسموات والأرض ذكر كونه جاعلاً للظلمات والنور، أما في سورة الملائكة فلما ذكر كونه فاطر السموات والأرض ذكر كونه جاعلاً الملائكة رسلاً، ففي سورة الأنعام ذكر بعد تخليق السموات والأرض جعل الأنوار والظلمات وذكر في سورة الملائكة بعد كونه فاطر السموات والأرض جعل الروحانيات، وهذه أسرار عجيبة ولطائف عالية إلا أنها بأسرها تجري مجرى الأنواع الداخلة تحت البحر الأعظم المذكور في قوله :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ فهذا هو التنبيه على أن قوله :﴿رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ يجري مجرى ذكر الدليل على وجود الإله القديم.


الصفحة التالية
Icon