لنا وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام واظب طول عمره على قراءة لفاتحة في الصلاة فوجب أن يجب علينا ذلك، لقوله تعالى :﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ ولقوله :﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه ﴾ (النور : ٦٣) ولقوله تعالى :﴿فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران : ٣١) ويا للعجب من أبي حنيفة أنه تمسك في وجوب مسح الناصية بخبر واحد، وذلك ما رواه المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه، في أنه عليه الصلاة والسلام مسح على الناصية، فجعل ذلك القدر من المسح شرطاً لصحة الصلاة، وههنا نقل أهل العلم نقلاً متواتراً أنه عليه الصلاة والسلام واظب طول عمره على قراءة الفاتحة ثم قال : إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها، وهذا من العجائب.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة الثانية : قوله تعالى :﴿وَأَنْ أَقِيمُوا ﴾ والصلاة لفظة مفردة محلاة بالألف واللام فيكون المراد منها المعهود السابق، وليس عند المسلمين معهود سابق من لفظ الصلاة إلا الأعمال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يأتي بها : وإذا كان كذلك كان قوله :"أقيموا الصلاة" جارياً مجرى قوله :"أقيموا الصلاة التي كان يأتي بها الرسول، والتي أتى بها الرسول عليه الصلاة والسلام هي الصلاة المشتملة على الفاتحة، فيكون قوله :﴿إِلَى الصَّلَواةِ﴾ أمراً بقراءة الفاتحة وظاهر الأمر الوجوب، ثم إن هذه اللفظة تكررت في القرآن أكثر من مائة مرة فكان ذلك دليلاً قاطعاً على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة.
الحجة الثالثة : أن الخلفاء الراشدين واظبوا على قراءتها طول عمرهم، ويدل عليه أيضاً ما روى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلّم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وإذا ثبت هذا وجب أن يجب علينا ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام :"عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي"، ولقوله عليه الصلاة والسلام :"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، والعجب من أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تمسك في مسألة / طلاق الفار بأثر عثمان مع أن عبد الرحمن وعبد الله بن الزبير كانا يخالفانه ونص القرآن أيضاً يوجب عدم الإرث، فلم لم يتمسك بعمل كل الصحابة على سبيل الأطباق والاتفاق على وجوب قراءة الفاتحة مع أن هذا القول على وفق القرآن والأخبار والمعقول ؟
الحجة الرابعة : أن الأمة وإن اختلفت في أنه هل تجب قراءة الفاتحة أم لا لكنهم اتفقوا عليه في العمل، فإنك لا ترى أحداً من المسلمين في المشرق والمغرب إلا ويقرأ الفاتحة في الصلاة، إذا ثبت هذا فنقول : إن من صلى ولم يقرأ الفاتحة كان تاركاً سبيل المؤمنين فيدخل تحت قوله :﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّه مَا تَوَلَّى وَنُصْلِه جَهَنَّمَا وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء : ١١٥) فإن قالوا إن الذين اعتقدوا أنه لا يجب قراءتها قرءوها لا على اعتقاد الوجوب، بل على اعتقاد الندبية فلم يحصل الإجماع على وجوب قراءتها، فنقول : أعمال الجوارح غير أعمال القلوب، ونحن قد بينا إطباق الكل على الإتيان بالقراءة، فمن لم يأتِ بالقراءة كان تاركاً طريقة المؤمنين في هذا العمل، فدخل تحت الوعيد، وهذا القدر يكفينا في الدليل، ولا حاجة بنا في تقرير هذا الدليل إلى ادعاء الإجماع في اعتقاد الوجوب.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة الخامسة : الحديث المشهور، وهو أنه سبحانه وتعالى قال :"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى : حمدني عبدي، إلى آخر الحديث، وجه الاستدلال أنه تعالى حكم على كل صلاة بكونها بينه وبين العبد نصفين ثم بين أن هذا التنصيف لم يحصل إلا بسبب آيات هذه السورة، فنقول : الصلاة لا تنفك عن هذا التنصيف، وهذا التنصيف لا يحصل إلا بسبب هذه السورة، ولازم اللازم لازم، فوجب كون هذه السورة من لوازم الصلاة، وهذا اللزوم لا يحصل إلا إذا قلنا قراءة الفاتحة شرط لصحة الصلاة.


الصفحة التالية
Icon