فإن قيل : قولكم إبراهيم على دين الإسلام أتريدون به الموافقة في الأصول أو في الفروع ؟
فإن كان الأول لم يكن مختصاً بدين الإسلام بل نقطع بأن إبراهيم أيضاً على دين اليهود، أعني ذلك الدين الذي جاء به موسى، فكان أيضاً على دين النصارى، أعني تلك النصرانية التي جاء بها عيسى فإن أديان الأنبياء لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول، وإن أردتم به الموافقة في الفروع، فلزم أن لا يكون محمد عليه السلام صاحب الشرع البتة، بل كان كالمقرر لدين غيره/ وأيضاً من المعلوم كالضرورة أن التعبد بالقرآن ما كان موجوداً في زمان إبراهيم عليه السلام فتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا وغير مشروعة في صلاتهم. قلنا : جاز أن يكون المراد به الموافقة في الأصول والغرض /منه بيان إنه ما كان موافقاً في أصول الدين لمذهب هؤلاء الذين هم اليهود والنصارى في زماننا هذا، وجاز أيضاً أن يقال المراد به الفروع وذلك لأن الله نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمن محمد صلى الله عليه وسلّم نسخ شرع موسى عليه السلام الشريعة التي كانت ثابتة في زمن إبراهيم عليه السلام وعلى هذا التقدير يكون محمد عليه السلام صاحب الشريعة ثم لما كان غالب شرع محمد عليه السلام موافقاً لشرع إبراهيم عليه السلام، فلو وقعت المخالفة في القليل لم يقدح ذلك في حصول الموافقة.
ثم ذكر تعالى :﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾ فريقان أحدهما : من اتبعه ممن تقدم والآخر : النبي وسائر المؤمنين.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٤٥
ثم قال :﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصرة والمعونة والتوفيق والإعظام والإكرام.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٤٥
ثم قال :﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصرة والمعونة والتوفيق والإعظام والإكرام.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٤٥
اعلم أنه تعالى لما بيّن أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق، والإعراض عن قبول الحجة بيّن أنهم لا يقتصرون على هذا القدر، بل يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول عليه السلام بإلقاء الشبهات كقولهم : إن محمداً عليه السلام مقر بموسى وعيسى ويدعي لنفسه النبوّة، وأيضاً إن موسى عليه السلام أخبر في التوراة بأن شرعه لا يزول، وأيضاً القول بالنسخ يفضي إلى البداء، والغرض منه تنبيه المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود، ونظير قوله تعالى في سورة البقرة :﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنا بَعْدِ إِيمَـانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم﴾ (البقرة : ١٠٩) وقوله ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَآءً ﴾ (النساء : ٨٩).
واعلم أن ﴿مِنْ﴾ ههنا للتبعيض وإنما ذكر بعضهم ولم يعمهم لأن منهم من آمن وأثنى الله عليهم بقوله ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ (المائدة : ٦٦) ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ (آل عمران : ١١٣) وقيل نزلت هذه الآية في معاذ وعمّار بن ياسر وحذيفة دعاهم اليهود إلى دينهم، وإنما قال :﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ ولم يقل أن يضلوكم، لأن ﴿لَوْ﴾ للتمني فإن قولك لو كان كذا يفيد التمني ونظيره قوله تعالى :﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (البقرة : ٩٦).
ثم قال تعالى :﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ﴾ وهو يحتمل وجوهاً منها إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على قصدهم إضلال الغير وهو كقوله ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـاكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة : ٥٧) وقوله ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ (العنكبوت : ١٣) ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَـامَةِا وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍا أَلا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل : ٢٥) ومنها إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى والحق لأن الذاهب عن الاهتداء يوصف بأنه ضال ومنها أنهم لما اجتهدوا في إضلال المؤمنين ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا إليهم فهم قد صاروا خائبين خاسرين، حيث اعتقدوا شيئاً ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوروه.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٤٥
ثم قال تعالى :﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي ما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٤٥
٢٥٥
اعلم أنه تعالى لما بيّن حال الطائفة التي لا تشعر بما في التوراة من دلالة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلّم، بيّن أيضاً حال الطائفة العارفة بذلك من أحبارهم.
فقال :﴿يَشْعُرُونَ * يَـا أَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـاَايَـاتِ اللَّهِ﴾ وفيه مسائل :


الصفحة التالية
Icon