الاحتمال الثاني : أن يكون قوله ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ ءَامِنُوا بِالَّذِى أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ﴾ بعض ما أنزل الله والقائلون بهذا القول حملوه على أمر القبلة وذكروا فيه وجهين الأول : قال ابن عباس : وجه النهار أوله، وهو صلاة الصبح واكفروا آخره : يعني صلاة الظهر وتقريره أنه صلى الله عليه وسلّم كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ففرح اليهود بذلك وطمعوا أن يكون منهم، فلما حوله الله إلى الكعبة كان ذلك عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ ءَامِنُوا بِالَّذِى أُنزِلَ﴾ يعني آمنوا بالقبلة التي صلّى إليها صلاة الصبح فهي الحق/ واكفروا بالقبلة التي صلّى إليها صلاة الظهر، وهي آخر النهار، وهي الكفر الثاني : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، فقال بعضهم لبعض صلوا إلى الكعبة في أول النهار، ثم اكفروا بهذه القبلة في آخر النهار وصلوا إلى الصخرة لعلّهم يقولون إن أهل الكتاب أصحاب /العلم فلولا أنهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما تركوها فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة.
المسألة الثانية : الفائدة في إخبار الله تعالى عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه الأول : أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم، وما أطلعوا عليها أحداً من الأجانب، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخباراً عن الغيب، فيكون معجزاً الثاني : أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإعلان لكان ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف الثالث : أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعاً لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس.
المسألة الثالثة : وجه النهار هو أوله، والوجه في اللغة هو مستقبل كل شيء، لأنه أول ما يواجه منه، كما يقال لأول الثوب وجه الثوب، روى ثعلب عن ابن الأعرابي : أتيته بوجه نهار وصدر نهار، وشباب نهار، أي أول النهار، وأنشد الربيع بن زياد فقال :
من كان مسروراً بمقتل مالك
فليأت نسوتنا بوجه نهار
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
اتفق المفسرون على أن هذا بقية كلام اليهود، وفيه وجهان الأول : المعنى : ولا تصدقوا إلا نبياً يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه، وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم، وعلى هذا التفسير تكون في قوله ﴿تُؤْمِنُوا إِلا لِمَن تَبِعَ﴾ صلة زائدة فإنه يقال صدقت فلاناً. ولا يقال صدقت لفلان، وكون هذه اللام صلة زائدة جائز، كقوله تعالى :﴿رَدِفَ لَكُم﴾ (النمل : ٧٢) والمراد ردفكم والثاني : أنه ذكر قبل هذه الآية قوله ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ﴾.
ثم قال في هذه الآية :﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم، كأنهم قالوا : ليس الغرض من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم، فالمعنى ولا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم، فإن مقصود كل واحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته.
ثم قال تعالى :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما. معناه : الدين دين الله ومثله في سورة البقرة ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ (البقرة : ١٢٠).
واعلم أنه لا بد من بيان أنه كيف صار هذا الكلام جواباً عما حكاه عنهم ؟
فنقول : أما على الوجه الأول وهو قولهم لا دين إلا ما هم عليه، فهذا الكلام إنما صلح جواباً عنه من حيث أن الذي هم عليه إنما ثبت ديناً من جهة الله، لأنه تعالى أمر به وأرشد إليه وأوجب الانقياد له وإذا كان كذلك، فمتى أمر بعد ذلك بغيره، وأرشد إلى غيره، وأوجب الانقياد إلى غيره كان نبياً يجب أن يتبع، وإن كان مخالفاً لما تقدم، لأن الدين إنما صار ديناً بحكمه وهدايته، فحيثما كان حكمه وجبت متابعته، ونظيره قوله تعالى جواباً لهم عن قولهم ﴿مَا وَلَّـاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ (البقرة : ١٤٢) يعني الجهات كلها لله، فله أن يحول القبلة إلى أي جهة شاء، وأما على الوجه الثاني فالمعنى أن الهدى هدى الله، وقد جئتكم به فلن ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
ثم قال تعالى :﴿أَن يُؤْتَى ا أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾.
واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة، فنقول هذا إما أن يكون من جملة كلام الله تعالى أو يكون من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، وقد ذهب إلى كل واحد من هذين الاحتمالين قوم من المفسرين.


الصفحة التالية
Icon