ثم قال :﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِه مَن يَشَآءُا وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وهذا كالتأكيد لما تقدم، والفرق بين هذه الآية وبين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه، فبيّن بقوله ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ إنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، ثم قال :﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِه مَن يَشَآءُ ﴾ والرحمة المضافة إلى الله سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل، فإن هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف وعلو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم، بل تكون أعلى وأجل من أن تقاس إلى ما آتاهم، ويحصل من مجموع الآيتين إنه لا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده، وأن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة، وعلى أشخاص معينين جهل بكمال الله في القدرة والحكمة.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين الأول : أنه تعالى حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية، ما لم يؤت أحد غيرهم مثله، ثم إنه تعالى بيّن أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان، وهم مصرون عليها، فدل هذا على كذبهم والثاني : أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ (آل عمران : ٧٣) حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير وههنا مسائل :
المسألة الأولى : الآية دالة على انقسامهم إلى قسمين : بعضهم أهل الأمانة، وبعضهم أهل الخيانة وفيه أقوال الأول : أن أهل الأمانة منهم هم الذين أسلموا، أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أن يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين وأخذ أموالهم ونظير هذه الآية قوله تعالى :﴿لَيْسُوا سَوَآءًا مِّنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـاتِ اللَّهِ ءَانَآءَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران : ١١٣) مع قوله ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَـاسِقُونَ﴾ (آل عمران : ١١٠) الثاني : أن أهل الأمانة هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهود، والدليل عليه ما ذكرنا، أن مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان الثالث : قال ابن عباس : أودع رجل عبد الله بن سلاّم ألفاً ومائتي أوقية من ذهب فأدى إليه، وأودع آخر فنحاص بن عازوراء ديناراً فخانه فنزلت الآية.
المسألة الثانية : يقال أمنته بكذا وعلى كذا، كما يقال مررت به وعليه، فمعنى الباء إلصاق الأمانة، ومعنى : على استعلاء الأمانة، فمن اؤتمن على شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به لقربه منه، واتصاله بحفظه وحياطته، وأيضاً صار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة والمستولي عليها، فلهذا حسن التعبير عن هذا المعنى بكلتا العبارتين، وقيل إن معنى قولك أمنتك بدينار أي وثقت بك فيه، وقولك أمنتك عليه، أي جعلتك أميناً عليه وحافظاً له.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
المسألة الثالثة : المراد من ذكر القنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشيء القليل، فإنه يجوز فيه الخيانة، ونظيره قوله تعالى :﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاـاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْـاًا ﴾ (النساء : ٢٠) وعلى هذا الوجه، /فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار وذكروا فيه وجوهاً الأول : إن القنطار ألف ومائتا أوقية قالوا : لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلاّم حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب فرده ولم يخن فيه، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار الثاني : روي عن ابن عباس أنه ملء جلد ثور من المال الثالث : قيل القنطار هو ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم/ وقد تقدم القول في تفسير القنطار.
المسألةالرابعة : قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر ﴿يُؤَدِّه ﴾ بسكون الهاء، وروي ذلك عن أبي عمرو، وقال الزجاج : هذا غلط من الراوي عن أبي عمرو كما غلط في ﴿بَارِئِكُمْ﴾ بإسكان الهمزة وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة، واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة بأن قال : الجزاء ليس في الهاء وإنما هو فيما قبل الهاء والهاء اسم المكنى والأسماء لا تجزم في الوصل، وقال الفراء : من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها. فيقول : ضربته ضرباً شديداً كما يسكنون (ميم) أنتم وقمتم وأصلها الرفع، وأنشد :
لما رأى أن لا دعه ولا شبع
وقرىء أيضاً باختلاس حركة الهاء اكتفاء بالكسرة من الياء، وقرىء بإشباع الكسرة في الهاء وهو الأصل.


الصفحة التالية
Icon