ثم قال تعالى :﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ واعلم أن من الناس من قال : إنه لا فرق بين قوله ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَـابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـابِ﴾ وبين قوله ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (آل عمران : ٧٨) وكرر هذا الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد، أما المحققون فقالوا : المغايرة حاصلة، وذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله، فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب، وتارة بالسنة، وتارة بالإجماع، وتارة بالقياس والكل من عند الله.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
فقوله ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَـابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـابِ﴾ هذا نفي خاص، ثم عطف عليه النفي العام فقال :﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ وأيضاً يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة، ويكون المراد من قولهم : هو من عند الله، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل أشعياء، وأرمياء، وحيقوق، وذلك لأن القوم في نسبة التحريف إلى الله كانوا متحيرين، فإن وجدوا قوماً من الأغمار والبله الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة، وإن وجدوا قوماً عقلاء أذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام، واحتج الجبائي والكعبي به على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى فقالا : لو كان لي اللسان بالتحريف والكذب خلقاً لله تعالى لصدق اليهود في قولهم : إنه من عند الله ولزم الكذب في قوله تعالى : إنه ليس من عند الله، وذلك لأنهم أضافوا إلى الله ما هو من عنده، والله ينفي عن نفسه ما هو من عنده، ثم قال : وكفى خزياً لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من الله قال : ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَـابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـابِ﴾ وبين قوله ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ فرق، وإذا لم يبق الفرق لم يحسن العطف، وأجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضاً من وجهين آخرين الأول : أن كون المخلوق من عند الخالق أوكد من كون المأمور به من عند الآمر به، وحمل الكلام على الوجه الأقوى أولى والثاني : أن قوله ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ نفي مطلق لكونه من عند الله وهذا ينفي كونه من عند الله بوجه من الوجوه، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم.
والجواب : أما قول الجبائي لو حملنا قوله تعالى :﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ على أنه كلام الله لزم التكرار، فجوابه ما ذكرنا أن قوله ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـابِ﴾ معناه أنه غير موجود في الكتاب وهذا لا يمنع من كونه حكماً لله تعالى ثابتاً بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال :﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ ثبت نفي كونه حكماً لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
وأما الوجه الأول : من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه، أن الجواب لا بد وأن يكون منطبقاً على السؤال، والقوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه وفعلوه خلق الله تعالى، بل كانوا /يدعون أنه حكم الله ونازل في كتابه.
فوجب أن يكون قوله ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ عائداً إلى هذا المعنى لا إلى غيره، وبهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني والله أعلم.
ثم قال تعالى :﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ والمعنى أنهم يتعمدون ذلك الكذب مع العلم.
واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة، وإعراب ألفاظها، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب/ وإن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلّم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق الخلق الكثير عليه والله أعلم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
اعلم أنه تعالى لما بيّن أن عادة علماء أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه بما يدل على أن من جملة ما حرّفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي الإلهية، وأنه كان يأمر قومه بعبادته فلهذا قال :﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية، وههنا مسائل :


الصفحة التالية
Icon