المسألة الرابعة : في قوله ﴿لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـابٍ﴾ إشكال، وهو أن هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب، وإنما أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم، فالإشكال أظهر، والجواب عنه من وجهين الأول : أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب، بمعنى كونه مهتدياً به داعياً إلى العمل به، وإن لم ينزل عليه والثاني : أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب، فوصف الكل بوصف أشرف الأنواع.
المسألة الخامسة : الكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها.
المسألة السادسة : كلمة ﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿مِن كِتَـابِ﴾ دخلت تبييناً لما كقولك : ما عندي من الورق دانقان.
أما قوله تعالى :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ ففيه سؤالات :
السؤال الأول : ما وجه قوله ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ﴾ والرسول لا يجيء إلى النبيّين وإنما يجيء إلى الأمم ؟
والجواب : إن حملنا قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَـاقَ النَّبِيِّـانَ﴾ على أخذ ميثاق أممهم فقد زال السؤال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيّين أنفسهم كان قوله ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ﴾ أي جاء في زمانكم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
السؤال الثاني : كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلّم مصدقاً لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم، قلنا : المراد به حصول الموافقة في التوحيد، والنبوات، وأصول الشرائع، فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها ؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد صلى الله عليه وسلّم ليس إلا شرعه، فهذا وإن كان يوهم الخلاف، إلا أنه في الحقيقة وفاق، وأيضاً فالمراد من قوله ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلّم، والمراد بكونه مصدقاً لما معهم هو أن وصفه وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكوراً في تلك الكتب، كان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم، فهذا هو المراد بكونه مصدقاً لما معهم.
السؤال الثالث : حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم فما معنى ذلك الميثاق.
والجواب : يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية المتقدمة وجب الانقياد له، فقوله تعالى :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ يدل على هذين الوجهين، أما على الوجه الأول، فقوله ﴿رَّسُولٍ﴾ وأما على الوجه الثاني، فقوله ﴿مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾.
أما قوله ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِه وَلَتَنصُرُنَّه ﴾ فالمعنى ظاهر، وذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به أولاً، ثم /الاشتغال بنصرته ثانياً، واللام في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِه ﴾ لام القسم، كأنه قيل : والله لتؤمنن به.
ثم قال تعالى :﴿قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِى ﴾ وفيه مسائل :
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
المسألة الأولى : إن فسرنا قوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَـاقَ النَّبِيِّـانَ﴾ بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى معناه : قال الله تعالى للنبيّين أأقرتم بالإيمان به والنصرة له وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله ﴿قَالَ﴾ أي قال كل نبي لأمته أأقرتم، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم، بل طالبوهم بالإقرار بالقول، وأكدوا ذلك بالإشهاد.
المسألة الثانية : الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر، إذا ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته.


الصفحة التالية
Icon