أما قوله ﴿وَنَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ﴾ ففيه وجوه الأول : إن إقرارنا بنبوّة هؤلاء الأنبياء إنما كان لأجل كوننا منقادين لله تعالى مستسلمين لحكمه وأمره، وفيه تنبيه على أن حاله على خلاف الذين خاطبهم الله بقوله ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَه ا أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ﴾ والثاني : قال أبو مسلم ﴿وَنَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ﴾ أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة وتلك صفة المؤمنين بالله وهم أهل السلم والكافرون يوصفون بالمحاربة لله كما قال :﴿إِنَّمَا جَزَا ؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه ﴾ (المائدة : ٣٣) الثالث : أن قوله ﴿وَنَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ﴾ يفيد الحصر والتقدير : له أسلمنا لا لغرض آخر من سمعة ورياء وطلب مال، وهذا تنبيه على أن حالهم بالضد من ذلك فإنهم لا يفعلون ولا يقولون إلا للسمعة والرياء وطلب الأموال والله أعلم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
اعلم أنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة ﴿وَنَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران : ٨٤) أتبعه بأن بيّن في هذه الآية أن الدين ليس إلا الإسلام، وأن كل دين سوى الإسلام فإنه غير مقبول عند الله، لأن القبول للعمل هو أن يرضى الله ذلك العمل، ويرضى عن فاعله ويثيبه عليه، ولذلك قال تعالى :﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة : ٢٧) ثم بيّن تعالى أن كل من له دين سوى الإسلام فكما أنه لا يكون مقبولاً عند الله، فكذلك يكون من الخاسرين، والخسران في الآخرة يكون بحرمان الثواب، وحصول العقاب، /ويدخل فيه ما يلحقه من التأسف والتحسر على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح وعلى ما تحمله من التعب والمشقة في الدنيا في تقريره ذلك الدين الباطل واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان مقبولاً لقوله تعالى :﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلَـامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ إلا أن ظاهر قوله تعالى :﴿قَالَتِ الاعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـاكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (الحجرات : ١٤) يقتضي كون الإسلام مغايراً للإيمان ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي، والآية الثانية على الوضع اللغوي.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلَـامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَـاسِرِينَ﴾ (آل عمران : ٨٥) أكد ذلك التعظيم بأن بيّن وعيد من ترك الإسلام، فقال :﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَـاـنِهِمْ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في سبب النزول أقوال الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ الثاني : نقل أيضاً عن ابن عباس أنه قال : نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا /بالنبي صلى الله عليه وسلّم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه، وكانوا يشهدون له بالنبوّة، فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بغياً وحسداً والثالث : نزلت في الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن اسألوا لي هل لي من توبة ؟
فأرسل إليه أخوه بالآية، فأقبل إلى المدينة وتاب على يد الرسول صلى الله عليه وسلّم وقبل الرسول صلى الله عليه وسلّم توبته، قال القفال رحمه الله : للناس في هذه الآية قولان : منهم من قال إن قوله تعالى :﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلَـامِ دِينًا﴾ وما بعده من قوله ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَـاـنِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَ أولئك هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ نزل جميع ذلك في قصة واحدة، ومنهم من جعل ابتداء القصة من قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ ثم على التقديرين ففيها أيضاً قولان أحدهما : أنها في أهل الكتاب والثاني : أنها في قوم مرتدين عن الإسلام آمنوا ثم ارتدوا على ما شرحناه.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥


الصفحة التالية
Icon