الجواب : ذكروا فيه وجوهاً الأول : قال الزجاج : إنها للعطف، والتقدير : لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهباً لم قبل منه، وهذا اختيار ابن الأنباري قال : وهذا أوكد في التغليظ، لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه الثاني : دخلت لبيان التفصيل بعد الإجمال وذلك لأن قوله ﴿كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الارْضِ ذَهَبًا﴾ يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية الثالث : وهو وجه خطر ببالي، وهو أن من غضب على بعض عبيده، فإذا أتحفه ذلك العبد بتحفة وهدية لم يقبلها ألبتة إلا أنه قد يقبل منه الفدية، فأما إذا لم يقبل منه الفدية أيضاً كان ذلك غاية الغضب، والمبالغة إنما تحصل بتلك المرتبة التي هي الغاية، فحكم تعالى بأنه لا يقبل منهم ملء الأرض ذهباً ولو كان واقعاً على سبيل الفداء تنبيهاً على أنه لما لم يكن مقبولاً بهذا الطريق، فبأن لا يكون مقبولاً منه بسائر الطرق أولى.
السؤال الثالث : أن من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة نقيراً ولا قطميراً ومعلوم أن بتقدير أن يملك الذهب فلا ينفع الذهب ألبتة في الدار الآخرة، فما فائدة قوله ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الارْضِ ذَهَبًا﴾.
الجواب : فيه وجهان أحدهما : أنهم إذا ماتوا على الكفر فلو أنهم كانوا قد أنفقوا في الدنيا ملء الأرض ذهباً لن يقبل الله تعالى ذلك منهم/ لأن الطاعة مع الكفر لا تكون مقبولة والثاني : أن الكلام وقع على سبيل الفرض، والتقدير : فالذهب كناية عن أعز الأشياء، والتقدير : لو أن /الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء ثم قدر على بذله في غاية الكثرة لعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب الله، وبالجملة فالمقصود أنهم آيسون من تخليص النفس من العقاب.
النوع الثاني : من الوعيد المذكور في هذه الآية قوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكافر لا يمكنه تخليص النفس من العذاب، أردفه بصفة ذلك العذاب، فقال :﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مؤلم.
النوع الثالث : من الوعيد قوله ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّـاصِرِينَ﴾ والمعنى أنه تعالى لما بيّن أنه لا خلاص لهم عن هذا العذاب الأليم بسبب الفدية، بيّن أيضاً أنه لا خلاص لهم عنه بسبب النصرة والإعانة والشفاعة، ولأصحابنا أن يحتجوا بهذه الآية على إثبات الشفاعة وذلك لأنه تعالى ختم تعديد وعيد الكفار بعدم النصرة والشفاعة فلو حصل هذا المعنى في حق غير الكافر بطل تخصيص هذا الوعيد بالكفر، والله أعلم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة علم المؤمنين كيفية الإنفاق الذي ينتفعون به في الآخرة، فقال :﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ وبيّن في هذه الآية أن من أنفق مما أحب كان من جملة الأبرار، ثم قال في آية أخرى ﴿إِنَّ الابْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ﴾ (المطففين : ٢٢) وقال أيضاً :﴿إِنَّ الابْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ (الإنسان : ٥) وقال أيضاً :﴿إِنَّ الابْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * عَلَى الارَآاـاِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَـامُه مِسْكٌا وَفِى ذَالِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَـافِسُونَ﴾ (المطففين : ٢٢، ٢٦) وقال :﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (البقرة : ١٧٧) فالله تعالى لما فصل في سائر الآيات كيفية ثواب الأبرار اكتفى ههنا بأن ذكر أن من أنفق ما أحب نال البر، وفيه لطيفة أخرى.


الصفحة التالية
Icon