الوجه الثاني : أن اليهود قالوا له : إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فلو كان الأمر كذلك فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم فجعلوا هذا الكلام شبهة طاعنة في صحة دعواه، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلّم عن هذه الشبهة بأن قال : ذلك كان حلاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك، فأمرهم الرسول عليه السلام بإحضار التوراة وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام فعجزوا عن ذلك وافتضحوا فظهر عند هذا أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام.
الوجه الثالث : أنه تعالى لما أنزل قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍا وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ الْحَوَايَآ﴾ (الأنعام : ١٤٦) وقال أيضاً :﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (النساء : ١٦٠) فدلت هذه الآية على أنه تعالى إنما حرم على اليهود هذه الأشياء جزاءً لهم على بغيهم وظلمهم وقبيح فعلهم وإنه لم يكن شيء من الطعام حراماً غير الطعام الواحد الذي حرمه إسرائيل على نفسه، فشق ذلك على اليهود من وجهين أحدهما : أن ذلك يدل على أن تلك الأشياء حرمت بعد أن كانت مباحة، وذلك يقتضي وقوع النسخ وهم ينكرونه والثاني : أن ذلك يدل على أنهم كانوا موصوفين بقبائح الأفعال، فلما حق عليهم ذلك من هذين الوجهين أنكروا كون حرمة هذه الأشياء متجددة، بل زعموا أنها كانت محرمة أبداً، فطالبهم النبي صلى الله عليه وسلّم بآية من التوراة تدل على صحة قولهم فعجزوا عنه فافتضحوا، فهذا وجه الكلام في تفسير هذه الآية وكله حسن مستقيم، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ.
أما قوله ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِّبَنِى إسرائيل ﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب "الكشاف" ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ أي كل المطعومات أو كل أنواع الطعام وأقول : اختلف الناس في أن اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام هل يفيد العموم أم لا ؟
ذهب قوم من الفقهاء والأدباء إلى أنه يفيده، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : أنه تعالى أدخل لفظ ﴿كُلٌّ﴾ على لفظ الطعام في هذه الآية، ولولا أن لفظ الطعام قائم مقام لفظ المطعومات وإلا لما جاز ذلك وثانيها : أنه استثنى عنه ما حرم إسرائيل على نفسه والاستثناء يخرج من الكلام /ما لولاه لدخل، فلولا دخول كل الأقسام تحت لفظ الطعام وإلا لم يصح هذا الاستثناء وأكدوا هذا بقوله تعالى :﴿إِنَّ الانسَـانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ (العصر : ٢، ٣) وثالثها : أنه تعالى وصف هذا اللفظ المفرد بما يوصف به لفظ الجمع، فقال :﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَـاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ﴾ (ق : ١٠، ١١) فعلى هذا من ذهب إلى هذا المذهب لا يحتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب "الكشاف"، أما من قال إن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام لا يفيد العموم، وهو الذي نظرناه في أصول الفقه احتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب "الكشاف".
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٩٠
المسألة الثانية : الطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل، وزعم بعض أصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليه إنه اسم للبر خاصة، وهذه الآية دالة على ضعف هذا الوجه، لأنه استثنى من لفظ الطعام ما حرم إسرائيل على نفسه، والمفسرون اتفقوا على أن ذلك الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان شيئاً سوى الحنطة، وسوى ما يتخذ منها ومما يؤكد ذلك قوله تعالى في صفة الماء ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّه مِنِّى ﴾ (البقرة : ٢٤٩) وقال تعالى :﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ (المائدة : ٥) وأراد الذبائح، وقالت عائشة رضي الله عنها : ما لنا طعام إلا الأسودان، والمراد التمر والماء.
إذا عرفت هذا فنقول : ظاهر هذه الآية يدل على أن جميع المطعومات كان حلاً لبني إسرائيل ثم قال القفال : لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، ثم قال فيحتمل أن يكون ذلك على الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت الرسول صلى الله عليه وسلّم أنها كان محرمة على إبراهيم، وعلى هذا التقدير لا تكون الألف واللام في لفظ الطعام للاستغراق، بل للعهد السابق، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال ومثله قوله تعالى :﴿قُل لا أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُه ا إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ﴾ (الأنعام : ١٤٥) فإنه إنما خرج هذا الكلام على أشياء سألوا عنها فعرفوا أن المحرم منها كذا وكذا دون غيره فكذا في هذه الآية.


الصفحة التالية
Icon