الحجة الرابعة عشرة : أنه تعالى متقدم بالوجود على وجود سائر الموجودات ؛ لأنه تعالى قديم وخالق وغيره محدث ومخلوق، والقديم الخالق يجب أن يكون سابقاً على المحدث المخلوق، وإذا ثبت أنه تعالى سابق على غيره وجب بحكم المناسبة العقلية أن يكون ذكره سابقاً على ذكر غيره، وهذا السبق في الذكر لا يحصل إلا إذا كان قراءة بسم الله الرحمن الرحيم سابقة على سائر الأذكار والقراءات، وإذا ثبت أن القول بوجوب هذا التقدم حسن في / العقول وجب أن يكون معتبراً في الشرع لقوله عليه الصلاة والسلام :"ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وإذا ثبت وجوب القراءة ثبت أيضاً أنها آية من الفاتحة، لأنه لا قائل بالفرق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة الخامسة عشرة : أن بسم اللهالرحمن الرحيم لا شك أنه من القرآن في سورة النمل ثم إنا نراه مكرراً بخط القرآن، فوجب أن يكون من القرآن كما أنا لما رأينا قوله (الرحمن : ١٣) تعالى :﴿فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وقوله تعالى :﴿وَيْلٌ يَوْمَـاـاِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ مكرراً في القرآن بخط واحد وصورة واحدة، قلنا : إن الكل من القرآن.
الحجة السادسة عشرة : روى أنه صلى الله عليه وسلّم كان يكتب في أول الأمر على رسم قريش "باسمك اللهم" حتى نزل قوله تعالى :﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْاراـاهَا وَمُرْسَـاـاهَآ ﴾ (هود : ٤١) فكتب "بسم الله" فنزل قوله :﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَـانَ ﴾ (الإسراء : ١١) فكتب "بسم الله الرحمن" فلما نزل قوله تعالى ﴿إِنَّه مِن سُلَيْمَـانَ وَإِنَّه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـن ِ الرَّحِيمِ﴾ (النحل : ٣٠) كتب مثلها، وجه الاستدلال أن أجزاء هذه الكلمة كلها من القرآن، ومجموعها من القرآن، ثم إنه ثبت في القرآن فوجب الجزم بأنه من القرآن، إذ لو جاز إخراجه من القرآن مع هذه الموجبات الكثيرة ومع الشهرة لجاز إخراج سائر الآيات كذلك، وذلك يوجب الطعن في القرآن.
الحجة السابعة عشرة : قد بينا أنه ثبت بالتواتر أن الله تعالى كان ينزل هذه الكلمة على محمد عليه الصلاة والسلام وكان يأمر بكتبه بخط المصحف، وبينا أن حاصل الخلاف في أنه هل هو من القرآن فرجع إلى أحكام مخصوصة مثل أنه هل يجب قراءته، وهل يجوز للجنب قراءته، وللمحدث مسه ؟
فنقول : ثبوت هذه الأحكام أحوط فوجب المصير إليه، لقوله عليه الصلاة والسلام : دع ما يريبك إلا ما لا يريبك.
واحتج المخالف بأشياء : الأول : تعلقوا بخبر أبي هريرة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله تعالى أثنى على عبدي وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله تعالى مجدني عبدي، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر التسمية، ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها، والثاني : أنه تعالى قال : جعلت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، والمراد من الصلاة الفاتحة ؛ وهذا التنصيف إنما يحصل إذا قلنا إن التسمية / ليست آية من الفاتحة، لأن الفاتحة سبع آيات فيجب أن يكون فيها لله ثلاث آيات ونصف وهي من قوله الحمد لله إلى قوله إياك نعبد ـ وللعبد ثلاث آيات ونصف ـ وهي من قوله وإياك نستعين إلى آخر السورة ـ أما إذا جعلنا بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة حصل لله أربع آيات ونصف، وللعبد آيتان ونصف، وذلك يبطل التنصيف المذكور.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة الثانية : روت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وهذا يدل على أن التسمية ليست آية من الفاتحة.
الحجة الثالثة : لو كان قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية من هذه السورة : لزم التكرار في قوله الرحمن الرحيم، وذلك بخلاف الدليل.


الصفحة التالية
Icon