وأما مكة ففي اشتقاقها وجوه الأول : أن اشتقاقها من أنها تمك الذنوب أي تزيلها كلها، من قولك : أمتك الفصيل ضرع أمه، إذا امتص ما فيه الثاني : سميت بذلك لاجتلابها الناس من كل جانب من الأرض، يقال أمتك الفصيل، إذا استقصى ما في الضرع، ويقال تمككت العظم، إذا استقصيت ما فيه الثالث : سميت مكة، لقلة مائها، كأن أرضها امتكت ماءها الرابع : قيل : إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء مكة، ومن الناس من فرق بين مكة وبكة، فقال بعضهم : إن بكة اسم للمسجد خاصة، وأما مكة، فهو اسم لكل البلد، قالوا : والدليل عليه أن اشتقاق بكة من الازدحام والمدافعة، وهذا إنما يحصل في المسجد عند الطواف، لا في سائر المواضع، وقال الأكثرون : مكة اسم للمسجد والمطاف. وبكة اسم البلد، والدليل عليه أن قوله تعالى :﴿لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾ يدل على أن البيت حاصل في بكة ومظروف في بكة فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكة ظرفاً للبيت، أما إذا جعلنا بكة اسماً للبلد، استقام هذا الكلام.
المسألة الثانية : لمكة أسماء كثيرة، قال القفال رحمه الله في "تفسيره" : مكة وبكة وأم رحم وكويساء والبشاشة والحاطمة تحطم من استخف بها، وأم القرى قال تعالى :﴿لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الأنعام : ٩٢) وسميت بهذا الاسم لأنها أصل كل بلدة ومنها دحيت الأرض، ولهذا المعنى يزار ذلك الموضع من جميع نواحي الأرض.
المسألة الثالثة : للكعبة أسماء أحدها : الكعبة قال تعالى :﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (المائدة : ٩٧) والسبب فيه أن هذا الاسم يدل على الإشراف والارتفاع، وسمي الكعب كعباً لإشرافه وارتفاعه على الرسغ، وسميت المرأة الناهدة الثديين كاعباً/ لارتفاع ثديها، فلما كان هذا البيت أشرف بيوت /الأرض وأقدمها زماناً، وأكثرها فضيلة سمي بهذا الاسم وثانيها : البيت العتيق : قال تعالى :﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج : ٣٣) وقال :﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج : ٢٩) وفي اشتقاقه وجوه الأول : العتيق هو القديم، وقد بينا أنه أقدم بيوت الأرض بل عند بعضهم أن الله خلقه قبل الأرض والسماء والثاني : أن الله أعتقه من الغرق حيث رفعه إلى السماء الثالث : من عتق الطائر إذا قوي في وكره، فلما بلغ في القوة إلى حيث أن كل من قصد تربية أهلكه الله سمي عتيقاً الرابع : أن الله أعتقه من أن يكون ملكاً لأحد من المخلوقين الخامس : أنه عتيق بمعنى أن كل من زاره أعتقه الله تعالى من النار وسادسها : المسجد الحرام قال سبحانه :﴿سُبْحَـانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِه لَيْلا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاقْصَا﴾ (الإسراء : ١) والمراد من كونه حراماً سيجيء إن شاء الله في تفسير هذه الآية.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٩٠
فإن قال قائل : كيف الجمع بين قوله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ وبين قوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآاـاِفِينَ﴾ (الحج : ٢٦) فأضافه مرة إلى نفسه ومرة إلى الناس.
والجواب : كأنه قيل : البيت لي ولكن وضعته لا لأجل منفعتي فإني منزّه عن الحاجة ولكن وضعته لك ليكون قبلة لدعائك والله أعلم.
ثم قال تعالى :﴿مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـالَمِينَ﴾.
واعلم أنه تعالى وصف هذا البيت بأنواع الفضائل فأولها : أنه أول بيت وضع للناس، وقد ذكرنا معنى كونه أولاً في الفضل ونزيد ههنا وجوهاً أُخر الأول : قال علي رضي الله عنه، هو أول بيت خص بالبركة، وبأن من دخله كان آمناً، وقال الحسن : هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض وقال مطرف. أول بيت جعل قبلة وثانيها : أنه تعالى وصفه بكونه مباركاً، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : انتصب ﴿مُبَارَكًا﴾ على الحال والتقدير الذي استقر هو ببكة مباركاً.