الوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة ووجوب الحج، والقوم كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق والملة الصحيحة قال لهم :﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِاَايَاتِ اللَّهِ﴾ بعد أن علمتم كونها حقة صحيحة.
واعلم أن المبطل إما أن يكون ضالاً فقط، وإما أن يكون مع كونه ضالاً يكون مضلاً، والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعاً فبدأ تعالى بالإنكار عليهم في الصفة الأولى على سبيل الرفق واللطف.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله ﴿يَشْعُرُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِاَايَاتِ اللَّهِ﴾ واختلفوا فيمن المراد بأهل الكتاب، فقال الحسن : هم علماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوته، واستدل عليه بقوله ﴿وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ﴾ وقال بعضهم : بل المراد كل أهل الكتاب لأنهم وإن لم يعلموا فالحجة قائمة عليهم فكأنهم بترك الاستدلال والعدول إلى التقليد بمنزلة من علم ثم أنكر.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٩٠
فإن قيل : ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار ؟
قلنا لوجهين : الأول : أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم أجاب عن شبههم في ذلك، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال :﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فهذا الترتيب الصحيح الثاني : أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوّة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته.
المسألة الثانية : قالت المعتزلة في قوله تعالى :﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِاَايَاتِ اللَّهِ﴾ دلالة على أن الكفر من قبلهم حتى يصح هذا التوبيخ وكذلك لا يصح توبيخهم على طولهم وصحتهم ومرضهم.
والجواب عنه : المعارضة بالعلم والداعي.
المسألة الثالثة : المراد ﴿مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات التي نصبها الله تعالى على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، والمراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام.
ثم قال :﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ الواو للحال والمعنى : لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، والحال أن الله شهيد على أعمالكم ومجازيكم عليها وهذه الحال توجب أن لا تجترؤا على الكفر بآياته.
ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في إضلالهم لضعفة المسلمين فقال :﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ﴾ قال الفرّاء : يقال صددته أصده صداً وأصددته إصداداً، وقرأ الحسن ﴿تَصُدُّونَ﴾ بضم التاء من أصده، قال المفسرون : وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته صلى الله عليه وسلّم في كتابهم.
ثم قال :﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ العوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى، وهو الدين والقول، فأما الشيء الذي يرى فيقال فيه : عوج بفتح العين كالحائط والقناة والشجرة، قال ابن الأنباري : البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك : بغيت المال والأجر والثواب وأُريد ههنا : تبغون لها عوجاً، ثم أسقطت اللام كما قالوا : وهبتك درهماً أي وهبت لك درهماً، ومثله صدت لك ظبياً وأنشد :
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٩٠
فتولى غلامهم ثم نادى
أظليما أصيدكم أم حماراً
أراد أصيد لكم والهاء في ﴿تَبْغُونَهَا﴾ عائدة إلى ﴿السَّبِيلِ﴾ لأن السبيل يؤنث ويذكر ويعني به الزيغ والتحريف، أي تلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي توردونها على الضعفة نحو قولهم : النسخ يدل على البداء وقولهم : إنه ورد في التوراة أن شريعة موسى عليه السلام باقية إلى الأبد، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون ﴿لَّه عِوَجَا ﴾ في موضع الحال والمعنى : تبغونها ضالين /وذلك أنهم كأنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقال الله تعالى : إنكم تبغون سبيل الله ضالين وعلى هذا القول لا يحتاج إلى إضمار اللام في تبغونها.
ثم قال :﴿وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ﴾ وفيه وجوه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني أنتم شهداء أن في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام الثاني : وأنتم شهداء على ظهور المعجزات على نبوته صلى الله عليه وسلّم الثالث : وأنتم شهداء أنه لا يجوز الصد عن سبيل الله الرابع : وأنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم ويعولون على شهادتكم في عظام الأمور وهم الأحبار والمعنى : أن من كان كذلك فكيف يليق به الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال.


الصفحة التالية
Icon