وأجابوا عنه من وجوه الأول : الضمير عائد إلى الحفرة ولما أنقذهم من الحفرة فقد أنقذهم من شفا الحفرة لأن شفاها منها والثاني : أنها راجعة إلى النار، لأن القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة، وهذا قول الزجاج الثالث : أن شفا الحفرة، وشفتها طرفها، فجاز أن يخبر عنه بالتذكير والتأنيث.
المسألة الثالثة : أنهم لو ماتوا على الكفر لوقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالعقود على حرفها، وهذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة، فإنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء، وبين ذلك الشيء، ثم قال :﴿كَذاَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكاف في موضع نصب، أي مثل البيان المذكور يبين الله لكم سائر الآيات لكي تهتدوا بها، قال الجبائي : الآية تدل على أنه تعالى يريد منهم الاهتداء، أجاب الواحدي عنه في "البسيط" فقال : بل المعنى لتكونوا على رجاء هداية.
وأقول : وهذا الجواب ضعيف لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد الله منهم ذلك الرجاء ومن المعلوم أن على مذهبنا قد لا يريد ذلك الرجاء، فالجواب الصحيح أن يقال كلمة (لعلّ) للترجي، والمعنى أنا فعلنا فعلاً يشبه فعل من يترجى ذلك والله أعلم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
اعلم أنه تعالى في الآيات المتقدمة عاب أهل الكتاب على شيئين أحدهما : أنه عابهم على الكفر، فقال :﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ (آل عمران : ٧٠) ثم بعد ذلك عابهم على سعيهم في إلقاء الغير في الكفر، فقال :﴿قُلْ يَـا أَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (آل عمران : ٩٩) فلما انتقل منه إلى مخاطبة المؤمنين أمرهم أولاً بالتقوى والإيمان، فقال :﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (آل عمران : ١٠٢، ١٠٣) ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة، فقال :﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ وهذا هو الترتيب الحسن الموافق للعقل، وفي الآية مسألتان :
المسألة الأولى : في قوله ﴿مِّنكُمْ﴾ قولان أحدهما : أن ﴿مِنْ﴾ ههنا ليست للتبعيض لدليلين الأول : أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران : ١١٠) والثاني : هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول : معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وأما كلمة ﴿مِنْ﴾ فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى :﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاوْثَـانِ﴾ (الحج : ٣٠) ويقال أيضاً : لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يريد بذلك /جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم، كذا ههنا، ثم قالوا : إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين، ونظيره قوله تعالى :﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ (التوبة : ٤١) وقوله ﴿إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (التوبة : ٣٩) فالأمر عام، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
والقول الثاني : أن ﴿مِنْ﴾ ههنا للتبعيض، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين أحدهما : أن فائدة كلمة ﴿مِنْ﴾ هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين والثاني : أن هذا التكليف مختص بالعلماء ويدل عليه وجهان الأول : أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء : الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر/ فإن الجاهل ربما عاد إلى الباطل وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة، ونظير هذه الآية قوله تعالى :﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ﴾ (التوبة : ١٢٢) والثاني : أنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة هذا إيجاباً على البعض لا على الكل، والله أعلم.