والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب وثانيها : أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب قال عليه الصلاة والسلام حاكياً عن رب العزة سبحانه :"خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم" وإذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب وهم أهل البياض، لأن تقديم الأشرف على الأخس في الذكر أحسن، ثم ختم بذكرهم أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال :"سبقت رحمتي غضبي" وثالثها : أن الفصحاء والشعراء قالوا : يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئاً يسر الطبع ويشرح الصدر ولا شك أن ذكر رحمة الله هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع الابتداء بذكر أهل الثواب والاختتام بذكرهم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
السؤال الثاني : أين جواب (أما) ؟
والجواب : هو محذوف، والتقدير فيقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم، وإنما حسن الحذف لدلالة الكلام عليه ومثله في التنزيل كثير قال تعالى :﴿وَالْمَلَـا اـاِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَـامٌ عَلَيْكُم﴾ (الرعد : ٢٣، ٢٤)وقال :﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاه مُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَـاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ﴾ (البقرة : ١٢٧) وقال :﴿وَلَوْ تَرَى ا إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ﴾ (السجدة : ١٢).
السؤال الثالث : من المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ؟
والجواب : للمفسرين فيه أقوال أحدها : قال أُبي بن كعب : الكل آمنوا حال ما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام، فكل من كفر في الدنيا، فقد كفر بعد الإيمان، ورواه الواحدي في "البسيط" بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلّم وثانيها : أن المراد : أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوّة، والدليل على صحة هذا التأويل، قوله تعالى فيما قبل هذه الآية ﴿يَشْعُرُونَ * يَـا أَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـاَايَـاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (آل عمران : ٧٠) فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات، وقال للمؤمنين ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنا بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَـاتُ ﴾ (آل عمران : ١٠٥).
ثم قال ههنا ﴿أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـانِكُمْ﴾ فكان ذلك محمولاً على ما ذكرناه حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها، وعلى هذين الوجهين تكون الآية عامة في حق كل الكفار، وأما الذين خصصوا هذه الآية ببعض الكفار فلهم وجوه الأول : قال عكرمة والأصم والزجاج المراد أهل الكتاب فإنهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلّم كانوا مؤمنين به، فلما بعث صلى الله عليه وسلّم كفروا به الثاني : قال قتادة : المراد الذين كفروا بعد الإيمان بسبب الارتداد الثالث : قال الحسن :/الذين كفروا بعد الإيمان بالنفاق الرابع : قيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة الخامس : قيل هم الخوارج، فإنه عليه الصلاة والسلام قال فيهم :"إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" وهذان الوجهان الأخيران في غاية البعد لأنهما لا يليقان بما قبل هذه الآية، ولأنه تخصيص لغير دليل، ولأن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
السؤال الرابع : ما الفائدة في همزة الاستفهام في قوله ﴿أَكْفَرْتُم﴾ ؟
الجواب : هذا استفهام بمعنى الإنكار، وهو مؤكد لما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِاَايَـاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَـا أَهْلَ الْكِتَـابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (آل عمران : ٩٨/ ٩٩).
ثم قال تعالى :﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
وفيه فوائد الأولى : أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصاً بمن كفر بعد إيمانه، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافراً أصلياً الثانية : قال القاضي قوله ﴿أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـانِكُمْ﴾ يدل على أن الكفر منه لا من الله وكذا قوله ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ الثالثة : قالت المرجئة : الآية تدل على أن كل نوع من أنواع العذاب وقع معللاً بالكفر، وهذا ينفي حصول العذاب لغير الكافر.
ثم قال تعالى :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ﴾ وفيه سؤالات :
السؤال الأول : ما المراد برحمة الله ؟