المسألة التاسعة : يروى عن أحمد بن حنبل أنه قال : التسمية آية من الفاتحة إلا أنه يسر بها في كل ركعة، وأما الشافعي فإنه قال : إنها آية منها ويجهر بها، وقال أبو حنيفة : ليست آية من الفاتحة إلا أنها يسر بها في كل ركعة ولا يجهر بها أيضاً، فنقول : الجهر بها سنّة، ويدل عليه وجوه وحجج.
الحجة الأولى : قد دللنا على أن التسمية آية من الفاتحة، وإذا ثبت هذا فنقول : الاستقراء دل على أن السورة الواحدة إما أن تكون بتمامها سرية أو جهرية، فأما أن يكون بعضها سرياً / وبعضها جهرياً فهذا مفقود في جميع السور ؛ وإذا ثبت هذا كان الجهر بالتسمية مشروعاً في القراءة الجهرية.
الحجة الثانية : أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم لا شك أنه ثناء على الله وذكر له بالتعظيم فوجب أن يكون الإعلان به مشروعاً لقوله تعالى :﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ (البقرة : ٢٠٠) ومعلوم أن الإنسان إذا كان مفتخراً بأبيه غير مستنكف منه فإنه يعلن بذكره ويبالغ في إظهاره أما إذا أخفى ذكره أو أسره دل ذلك على كونه مستنكفاً منه، فإذا كان المفتخر بأبيه يبالغ في الإعلان والإظهار وجب أن يكون إعلان ذكر الله أولى عملاً بقوله :﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة الثالثة : هي أن الجهر بذكر الله يدل على كونه مفتخراً بذلك الذكر غير مبالٍ بإنكار من ينكره، ولا شك أن هذا مستحسن في العقل، فيكون في الشرع كذلك ؛ لقوله عليه السلام :"ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" ومما يقوي هذا الكلام أيضاً أن الإخفاء والسر لا يليق إلا بما يكون فيه عيب ونقصان فيخفيه الرجل ويسره، لئلا ينكشف ذلك العيب. أما الذي يفيد أعظم أنواع الفخر والفضيلة والمنقبة فكيف يليق بالعقل إخفائه ؟
ومعلوم أنه لا منقبة للعبد أعلى وأكمل من كونه ذاكراً لله بالتعظيم، ولهذا قال عليه السلام :"طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله" وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : يا من ذكره شرف للذاكرين. ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في إخفائه ؟
ولهذا السبب نقل أن علياً رضي الله عنه كان مذهبه الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات/ وأقول إن هذه الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي لا تزول البتة بسبب كلمات المخالفين.
الحجة الرابعة : ما رواه الشافعي بإسناده، أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم، ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار. يا معاوية، سرقت منا الصلاة، أين بسم الرحمن الرحيم ؟
وأين التكبير عند الركوع والسجود ؟
ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير، قال الشافعي : إن معاوية كان سلطاناً عظيم القوة شديد الشوكة فلولا أن الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار وإلا لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية.
الحجة الخامسة : روى البيهقي في "السنن الكبير" عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم إن الشيخ البيهقي روى الجهر عن /عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قوله عليه السلام : اللهم أدر الحق مع علي حيث دار.
الحجة السادسة : إن قوله بسم الله الرحمن الرحيم يتعلق بفعل لا بدّ من إضماره، والتقدير بإعانة اسم الله اشرعوا في الطاعات، أو ما يجري مجرى هذا المضمر، ولا شك أن استماع هذه الكلمة ينبه العقل على أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله، وينبه العقل على أنه لا يتم شيء من الخيرات والبركات إلا إذا وقع الابتداء فيه بذكر الله، ومن المعلوم أن المقصود من جميع العبادات والطاعات حصول هذه المعاني في العقول، فإذا كان استماع هذه الكلمة يفيد هذه الخيرات الرفيعة والبركات العالية دخل هذا القائل تحت قوله :﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ ؛ (آل عمران : ١١٠) لأن هذا القائل بسبب إظهار هذه الكلمة أمر بما هو أحسن أنواع الأمر بالمعروف، وهو الرجوع إلى الله بالكلية والاستعانة بالله في كل الخيرات، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل أن يقول إنه بدعة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧


الصفحة التالية
Icon