الصفة الثامنة : قوله ﴿وَ أولئك مِنَ الصَّـالِحِينَ﴾ والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم /الصلاة والسلام فقال : بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم ﴿وَأَدْخَلْنَـاهُمْ فِى رَحْمَتِنَآا إِنَّهُم مِّنَ الصَّـالِحِينَ﴾ (الأنبياء : ٨٦) وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال :﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّـالِحِينَ﴾ (النمل : ١٩) وقال :﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـاـاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (التحريم : ٤) وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالاً على أكمل الدرجات.
ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال :﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوه وَاللَّهُ عَلِيمُا بِالْمُتَّقِينَ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوه ﴾ بالياء على المغايبة، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون، ولن يضيع لهم ما يعلمون، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلاّم إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال، ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلة.
وأما الباقون فإنهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت/ ثم قال : وما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء، فلن تكفروه، والفائدة أن يكون حكم هذه الآية عاماً بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين، ومما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم كقوله ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّه ﴾ (البقرة : ١٩٧) وما تفعلوا من خير يوف إليكم} ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لانفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّه ﴾ وأما أبو عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
المسألة الثانية :﴿فَلَنْ﴾ أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع الجزاء كفر لوجهين الأول : أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكراً قال الله تعالى :﴿خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة : ١٥٨) وقال :﴿فَ أولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (الإسراء : ١٩) فلما سمى إيصال الجزاء شكراً سمى منعه كفراً والثاني : أن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفراً، لأنه بمنزلة الجحد والستر.
فإن قيل : لم قال :﴿فَلَنْ﴾ فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها.
قلنا : لأنا بينا أن معنى الكفر ههنا هو المنع والحرمان، فكان كأنه قال : فلن تحرموه، ولن /تمنعوا جزاءه.
المسألة الثالثة : احتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه الآية فقال : صريح هذه الآية يدل على أنه لا بد من وصول أثر فعل العبد إليه، فلو انحبط ولم ينحبط من المحبط بمقداره شيء لبطل مقتضى هذه الآية، ونظير هذه الآية قوله تعالى :﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لانفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّه ﴾ (الزلزلة : ٧/ ٨).
ثم قال :﴿وَاللَّهُ عَلِيمُا بِالْمُتَّقِينَ﴾ والمعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم الحرمان والجزاء أقام ما يجري مجرى الدليل عليه وهو أن عدم إيصال الثواب والجزاء إما أن يكون للسهو والنسيان وذلك محال في حقه لأنه عليم بكل المعلومات، وإما أن يكون للعجز والبخل والحاجة وذلك محال لأنه إله جميع المحدثات، فاسم الله تعالى يدل على عدم العجز والبخل والحاجة، وقوله ﴿عَلِيمٌ﴾ يدل على عدم الجهل، وإذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع من الجزاء، لأن منع الحق لا بد وأن يكون لأجل هذه الأمور والله أعلم، إنما قال :﴿عَلِيمُا بِالْمُتَّقِينَ﴾ مع أنه عالم بالكل بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨


الصفحة التالية
Icon