أي فاسدة العضد منقوضتها، ومنه قيل : رجل مخبول ومخبل ومختبل لمن كان ناقص العقل، وقال تعالى :﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا﴾ (التوبة : ٤٧) أي فساداً وضرراً.
المسألة الثالثة : قوله ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ أي لا يدعون جهدهم في مضرتكم وفسادكم، يقال : ما ألوته نصحاً، أي ما قصرت في نصيحته، وما ألوته شراً مثله.
المسألة الرابعة : انتصب الخبال بلا يألونكم لأنه يتعدى إلى مفعولين كما ذكرنا وإن شئت نصبته على المصدر، لأن معنى قوله ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ لا يخبلونكم خبالا وثانيها : قوله تعالى :﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يقال وددت كذا، أي أحببته و(العنت) شدة الضرر والمشقة قال تعالى :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ ﴾ (البقرة : ٢٢٠).
المسألة الثانية : ما مصدرية كقوله ﴿ذَالِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الارْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ (غافر : ٧٥) أي بفرحكم ومرحكم وكقوله ﴿وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَا هَا * وَالارْضِ وَمَا طَحَا هَا﴾ (الشمس : ٥، ٦) أي بنائه إياها وطحيه إياها.
المسألة الثالثة : تقدير الآية : أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.
المسألة الرابعة : قال الواحدي رحمه الله : لا محل لقوله ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ لأنه استئناف بالجملة وقيل : إنه صفة لبطانة، ولا يصح هذا لأن البطانة قد وصفت بقوله ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ فلو كان هذا صفة أيضاً لوجب إدخال حرف العطف بينهما.
المسألة الخامسة : الفرق بين قوله ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ وبين قوله ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ في المعنى من وجوه الأول : لا يقصرون في إفساد دينكم، فإن عجزوا عنه ودوا إلقاءكم في أشد أنواع الضرر الثاني : لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا، فإذا عجزوا عنه لم يزل عن قلوبهم حب إعناتكم والثالث : لا يقصرون في إفساد أموركم، فإن لم يفعلوا ذلك لمانع من خارج، فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم وثالثها : قوله تعالى :﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ وفيه مسائل :
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
المسألة الأولى : البغضاء أشد البغض، فالبغض مع البغضاء كالضر مع الضراء.
المسألة الثانية : الأفواه جمع الفم والفم أصله فوه بدليل أن جمعه أفواه، يقال : فوه وأفواه كسوط وأسواط، وطوق وأطواق، ويقال رجل مفوه إذا أجاد القول، وأفوه إذا كان واسع الفهم، فثبت أن أصل الفم فوه بوزن سوط، ثم حذفت الهاء تخفيفاً ثم أقيم الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.
المسألة الثالثة : قوله ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان الأول : أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقة لطريق المخالصة في الود والنصيحة، ونظيره قوله تعالى :﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ (محمد : ٣٠) الثاني : قال قتادة : قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك، أما إن حملناه على اليهود فتفسير قوله ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فهو أنهم يظهرون تكذيب نبيّكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق، ومن اعتقد في غيره الإصرار على الجهل والحمق امتنع أن يحبه، بل لا بد وأن يبغضه، فهذا هو المراد بقوله ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾.
ثم قال تعالى :﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ يعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد، ثم بيّن تعالى أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم، فقال :﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الايَاتِا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي من أهل العقل والفهم والدراية، وقيل :﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الفصل بين ما يستحقه العدو والولي، والمقصود بعثهم على استعمال العقل في تأمل هذه الآية وتدبر هذه البينات، والله أعلم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
واعلم أن هذا نوع آخر من تحذير المؤمنين عن مخالطة المنافقين، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال السيد السرخسي سلمه الله للتنبيه و﴿وَإِذْ أَنتُمْ﴾ مبتدأ و﴿أُوْلاءِ﴾ خبره و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ في موضع النصب على الحال من اسم الإشارة، ويجوز أن تكون ﴿أُوْلاءِ﴾ بمعنى الذين و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ صلة له، والموصول مع الصلة خبر ﴿أَنتُمْ﴾ وقال الفرّاء ﴿أُوْلاءِ﴾ خبر و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ خبر بعد خبر.


الصفحة التالية
Icon