المسألة الرابعة : يقال : بوأته منزلاً وبوأت له منزلاً أي أنزلته فيه، والمباءة والباءة المنزل وقوله ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ أي مواطن ومواضع، وقد اتسعوا في استعمال المقعد والمقام بمعنى المكان/ ومنه قوله تعالى :﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ (القمر : ٥٥) وقال :﴿قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ﴾ (النمل : ٣٩) أي من مجلسك وموضع حكمك وإنما عبر عن الأمكنة ههنا بالمقاعد لوجهين الأول : وهو أنه عليه السلام أمرهم أن يثبتوا في مقاعدهم لا ينتقلوا عنها، والقاعد في مكان لا ينتقل عنه فسمى تلك الأمكنة بالمقاعد، تنبيهاً على أنهم مأمورون بأن يثبتوا فيها ولا ينتقلوا عنها ألبتة والثاني : أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدو فيقوموا عند الحاجة إلى المحاربة فسميت تلك الأمكنة بالمقاعد لهذا الوجه.
المسألة الخامسة : قوله ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّى ُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ يروى أنه عليه السلام غدا من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد، وهذا قول مجاهد والواقدي، فدل هذا النص على أن عائشة رضي الله عنها كانت أهلاً للنبي صلى الله عليه وسلّم وقال تعالى :﴿وَالطَّيِّبَـاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَـاتِ ﴾ (النور : ٢٦) فدل هذا النص على أنها مطهرة مبرأة عن كل قبيح، /ألا ترى أن ولد نوح لما كان كافراً قال :﴿إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ (هود : ٤٦) وكذلك امرأة لوط.
ثم قال تعالى :﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لأقوالكم عليم بضمائركم ونياتكم، فإنا ذكرنا أنه عليه السلام شاور أصحابه في ذلك الحرب، فمنهم من قال له : أقم بالمدينة، ومنهم من قال : اخرج إليهم، وكان لكل أحد غرض آخر فيما يقول، فمن موافق، ومن مخالف فقال تعالى : أنا سميع لما يقولون عليم بما يضمرون.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
ثم قال تعالى :﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلا﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : العامل في قوله ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ﴾ فيه وجوه الأول : قال الزجاج : العامل فيه التبوئة، والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت الثاني : العامل فيه قوله ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الثالث : يجوز أن يكون بدلاً من ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾.
المسألة الثانية : الطائفتان حيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس لما انهزم عبد الله بن أُبي همت الطائفتان باتباعه، فعصمهم الله، فثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلّم، ومن العلماء من قال : إن الله تعالى أبهم ذكرهما وستر عليهما، فلا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر.
المسألة الثالثة : الفشل الجبن والخور، فإن قيل : الهم بالشيء هو العزم، فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل والترك وذلك معصية فكيف بهما أن يقال والله وليهما ؟
والجواب : الهم قد يراد به العزم، وقد يراد به الفكر، وقد يراد به حديث النفس، وقد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده ووفور عدده، لأن أي شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف من ظهر ذلك منه بأنه هم بأن يفشل من حيث ظهر منه ما يوجب ضعف القلب، فكان قوله ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلا﴾ لا يدل على أن معصية وقعت منهما، وأيضاً فبتقدير أن يقال : إن ذلك معصية لكنها من باب الصغائر لا من باب الكبائر، بدليل قوله تعالى :﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ فإن ذلك الهم لو كان من باب الكبائر لما بقيت ولاية الله لهما.
ثم قال تعالى :﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عبد الله ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ كقوله ﴿وَإِن طَآاـاِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ (الحجرات : ٩).
المسألة الثانية : في المعنى وجوه الأول : أن المراد منه بيان أن ذلك الهم ما أخرجهما عن ولاية الله تعالى الثاني : كأنه قيل : الله تعالى ناصرهما ومتولي أمرهما فكيف يليق بهما هذا الفشل وترك التوكل على الله تعالى ؟
الثالث : فيه تنبيه على أن ذلك الفشل إنما لم يدخل في الوجود لأن الله تعالى وليهما فأمدهما بالتوفيق والعصمة، والغرض منه بيان أنه لولا توفيقه سبحانه وتسديده لما تخلص أحد عن ظلمات المعاصي، ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى بعده هذه الآية ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
فإن قيل : ما معنى ما روي عن بعضهم عند نزول هذه الآية أنه قال : والله ما يسرنا أنا لم نهم بما همت الطائفتان به، وقد أخبرنا الله تعالى نأنه وليهما ؟
قلنا : معنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى.


الصفحة التالية
Icon