المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو أي معلمين علموا أنفسهم بعلامات مخصوصة، وأكثر الأخبار أنهم سوموا خيولهم بعلامات جعلوها عليها، والباقون بفتح الواو، أي سومهم الله أو بمعنى أنهم سوموا أنفسهم، فكان في المراد من التسويم في قوله ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قولان الأول : السومة العلامة التي يعرف بها الشيء من غيره، ومضى شرح ذلك في قوله ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ (آل عمران : ١٤) وهذه العلامة يعلمها الفارس يوم اللقاء ليعرف بها، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال يوم بدر :"سوموا فإن الملائكة قد سومت" قال ابن عباس : كانت الملائكة قد سوموا أنفسهم بالعمائم الصفر، وخيولهم وكانوا على خيل بلق، بأن علقوا الصوف الأبيض في نواصيها وأذنابها، وروي أن حمزة بن عبد المطلب كان يعلم بريشة نعامة، وأن علياً كان يعلم بصوفة بيضاء وأن الزبير كان يتعصب بعصابة صفراء وأن أبا دجانة كان يعلم بعصابة حمراء.
القول الثاني : في تفسير المسومين إنه بمعنى المرسلين مأخوذاً من الإبل السائمة المرسلة في الرعي، تقول أسمت الإبل إذا أرسلتها، ويقال في التكثير سومت كما تقول أكرمت وكرمت، فمن قرأ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيلها على الكفار لقتلهم وأسرهم، ومن قرأ بفتح الواو فالمعنى أن الله تعالى أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات والحشيش.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
الكناية في قوله ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ عائدة على المصدر، كأنه قال : وما جعل الله المدد والإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تنصرون فدل ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ على الإمداد فكنى عنه، كما قال :﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّه لَفِسْقٌ ﴾ (الأنعام : ١٢١) معناه : وإن أكله لفسق فدل ﴿تَأْكُلُوا ﴾ على الأكل فكنى عنه وقال الزجاج ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي ذكر المدد ﴿إِلا بُشْرَى ﴾ والبشرى اسم من الإبشار ومضى الكلام في معنى التبشير في سورة البقرة في قوله ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ (البقرة : ٢٥).
ثم قال :﴿وَلِتَطْمَـاـاِنَّ قُلُوبُكُم بِه ﴾ وفيه سؤال :
وهو أن قوله ﴿وَلِتَطْمَـاـاِنَّ﴾ فعل وقوله ﴿إِلا بُشْرَى ﴾ اسم وعطف الفعل على الاسم مستنكر، فكان الواجب أن يقال إلا بشرى لكم واطمئناناً، أو يقال إلا ليبشركم ولتطمئن قلوبكم به فلم ترك ذلك وعدل عنه إلى عطف الفعل على الاسم.
والجواب عنه من وجهين الأول : في ذكر الإمداد مطلوبان، وأحدهما أقوى في المطلوبية من الآخر، فأحدهما إدخال السرور في قلوبهم، وهو المراد بقوله ﴿إِلا بُشْرَى ﴾ والثاني : حصول الطمأنينة على أن إعانة الله ونصرته معهم فلا يجبنوا عن المحاربة، وهذا هو المقصود الأصلي ففرق بين هاتين العبارتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين هذين الأمرين في المطلوبية فكونه بشرى مطلوب ولكن المطلوب الأقوى حصول الطمأنينة، فلهذا أدخل حرف التعليل على فعل الطمأنينة، فقال :﴿وَلِتَطْمَـاـاِنَّ﴾ ونظيره قوله ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ (النحل : ٨) ولما كان المقصود الأصلي هو الركوب أدخل حرف التعليل عليها، فكذا ههنا الثاني ؛ قال بعضهم في الجواب : الواو زائدة والتقدير وما جعله الله إلا بشرى لكم لتطمئن به قلوبكم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
ثم قال :﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ والغرض منه أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة وهذا تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسبب الأسباب أو قوله ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته، والحكيم إشارة إلى كمال علمه، فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن إجابة الدعوات، وكل من كان كذلك لم يتوقع النصر إلا من رحمته ولا الإعانة إلا من فضله وكرمه.


الصفحة التالية
Icon