ثم نقول : هب أنه حصل التعارض بين دلائلكم ودلائلنا، إلا أن الترجيح معنا، وبيانه من وجوه : الأول : أن راوي أخباركم أنس وابن المغفل، وراوي قولنا علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، وهؤلاء كانوا أكثر علماً وقرباً من رسول الله صلى الله عليه وسلّم من أنس وابن المغفل. والثاني : أن مذهب أبي حنيفة أن خبر الواحد إذا ورد على خلاف القياس لم يقبل، ولهذا السبب فإنه لم يقبل خبر المصراة مع أنه لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال لأن القياس يخالفه إذا ثبت هذا فنقول قد بينا أن صريح العقل ناطق بإن إظهار هذه الكلمة أولى من إخفائها، فلأي سبب رجح قول أنس وقول ابن المغفل على هذا البيان الجلي البديهي ؟
والثالث : أن من المعلوم بالضرورة أن النبي / عليه السلام كان يقدم الأكابر على الأصاغر، والعلماء على غير العلماء، والإشراف على الإعراب، ولا شك أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا أعلى حالاً في العلم والشرف وعلو الدرجة من أنس وابن المغفل، والغالب على الظن أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا يقفون بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكان أنس وابن المغفل يقفان بالعبد منه، وأيضاً أنه عليه السلام ما كان يبالغ في الجهر امتثالاً لقوله تعالى :﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (الإسراء : ١١٠) وأيضاً فالإنسان أول ما يشرع في القراءة إنما يشرع فيها بصوت ضعيف ثم لا يزال يقوى صوته ساعة فساعة، فهذه أسباب ظاهرة في أن يكون علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة سمعوا الجهر بالتسمية من رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأن أنساً وابن المغفل ما سمعاه. الرابع : قال الشافعي : لعل المراد من قول أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يستفتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين أنه كان يقدم هذه السورة في القراءة على غيرها من السور فقوله الحمد لله رب العالمين المراد منه تمام هذه فجعل هذه اللفظة اسماً لهذه السورة. الخامس : لعل المراد/ من عدم الجهر في حديث ابن المغفل عدم المبالغة في رفع الصوت، كما قال تعالى :﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾. السادس : الجهر كيفية ثبوتية، والإخفاء كيفية عدمية، والرواية المثبتة أولى من النافية. السابع : أن الدلائل العقلية موافقة لنا، وعمل علي بن أبي طالب عليه السلام معنا، ومن اتخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
وأما التمسك بقوله تعالى :﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (الأعراف : ٢٠٥) فالجواب أنا نحمل ذلك على مجرد الذكر، أما قوله بسم الله الرحمن الرحيم فالمراد منه قراءة كلام الله تعالى على سبيل العبادة والخضوع، فكان الجهر به أولى.
المسألة العاشرة : في تفاريع التسمية وفيه فروع : ـ
فروع أحكام التسمية :
الفرع الأول : قالت الشيعة : السنّة هي الجهر بالتسمية، سواء كانت في الصلاة الجهرية أو السرية، وجمهور الفقهاء يخالفونهم فيه.
الفرع الثاني : الذين قالوا التسمية ليست آية من أوائل السور اختلفوا في سبب إثباتها في المصحف في أول كل سورة وفيه قولان : الأول : أن التسمية ليست من القرآن، وهؤلاء فريقان : منهم من قال إنها كتبت للفصل بين السور، وهذا الفصل قد صار الآن معلوماً فلا حاجة إلى إثبات التسمية، فعلى هذا لو لم تكتب لجاز، ومنهم من قال : إنه يجب إثباتها / في المصاحف، ولا يجوز تركها أبداً. والقول الثاني : أنها من القرآن، وقد أنزلها الله تعالى، ولكنها آية مستقلة بنفسها، وليست آية من السورة، وهؤلاء أيضاً فريقان : منهم من قال : إن الله تعالى كان ينزلها في أول كل سورة على حدة ومنهم من قال : لا، بل أنزلها مرة واحدة، وأمر بإثباتها في أول كل سورة، والذي يدل على أن الله تعالى أنزلها، وعلى أنها من القرآن ما روى عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية فاصلة، وعن إبراهيم بن يزيد قال : قلت لعمرو بن دينار : أن الفضل الرقاشي يزعم أن بسم الله الرحمن الرحيم ليس من القرآن، فقال : سبحان الله ما أجرأ هذا الرجل سمعت سعيد بن جبير يقول : سمعت ابن عباس يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا أنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم علم أن تلك السورة قد ختمت وفتح غيرها، وعن عبد الله بن المبارك أنه قال : من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية، وروى مثله عن ابن عمر، وأبي هريرة.
الفرع الثالث : القائلون بأن التسمية آية من الفاتحة وأن الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة لا شك أنهم يوجبون قراءة التسمية أما الذين لا يقولون به فقد اختلفوا، فقال أبو حنيفة وأتباعه والحسن بن صالح بن جني وسفيان الثوري وابن أبي ليلى : يقرأ التسمية سراً، وقال مالك : لا ينبغي أن يقرأها في المكتوبة لا سراً ولا جهراً، وأما في النافلة فإن شاء قرأها وإن شاء ترك.