جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
والقول الثاني : أن المراد هو الأمر الذي يضاد النهي، والمعنى : ليس لك من أمر خلقي شيء إلا إذا كان على وفق أمري، وهو كقوله ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ (الأنعام : ٦٢) وقوله ﴿لِلَّهِ الامْرُ مِن قَبْلُ وَمِنا بَعْدُ ﴾ (الروم : ٤) وعلى القولين فالمقصود من الآية منعه صلى الله عليه وسلّم من كل فعل وقول إلا ما كان بإذنه وأمره وهذا هو الإرشاد إلى أكمل درجات العبودية، ثم اختلفوا في أن المنع من اللعن لأي معنى كان ؟
منهم من قال الحكمة فيه أنه تعالى ربما علم من حال بعض الكفار أنه يتوب، أو إن لم يتب لكنه علم أنه سيولد منه ولد يكون مسلماً براً تقياً، وكل من كان كذلك، فإن اللائق برحمة الله تعالى أن يمهله في الدنيا وأن يصرف عنه الآفات إلى أن يتوب أو إلى أن يحصل ذلك الولد فإذا حصل دعاء الرسول عليهم بالإهلاك، فإن قبلت دعوته فات هذا المقصود، وإن لم تقبل دعوته كان ذلك كالاستخفاف بالرسول صلى الله عليه وسلّم، فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى من اللعن وأمره بأن يفوض الكل إلى علم الله تعالى، ومنهم من قال : المقصود منه إظهار عجز العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار الله تعالى في ملكه وملكوته، هذا هو الأحسن عندي والأوفق لمعرفة الأصول الدالة على حقيقة الربوبية والعبودية.
المسألة الرابعة : ذكر الفرّاء والزجاج وغيرهما في هذه الآية قولين أحدهما : أن قوله ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ عطف على ما قبله، والتقدير : ليقطع طرفاً من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، ويكون قوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الامْرِ شَىْءٌ﴾ كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه، كما تقول : ضربت زيداً، فاعلم ذلك عمراً، فعلى هذا القول هذه الآية متصلة بما قبلها.
والقول الثاني : أن معنى ﴿أَوْ﴾ ههنا معنى حتى، أو إلا أن كقولك : لألزمنك أو تعطيني حقي والمعنى : إلا أن تعطيني أو حتى تعطيني، ومعنى الآية ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.
المسألة الخامسة : قوله تعالى :﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ مفسر عند أصحابنا بخلق التوبة فيهم وذلك عبارة عن خلق الندم فيهم على ما مضى/ وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل قال أصحابنا : وهذا المعنى متأكد ببرهان العقل وذلك لأن الندم عبارة عن حصول إرادة في المضي /متعلقة بترك فعل من الأفعال في المستقبل، وحصول الإرادات والكراهات في القلب لا يكون بفعل العبد، لأن فعل العبد مسبوق بالإرادة، فلو كانت الإرادات فعلاً للعبد لافتقر العبد في فعل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ويلزم التسلسل وهو محال، فعلمنا أن حصول الإرادة والكراهات في القلب ليس إلا بتخليق الله تعالى وتكوينه إبتداء، ولما كانت التوبة عبارة عن الندم والعزم، وكل ذلك من جنس الإرادات والكراهات، علمنا أن التوبة لا تحصل للعبد إلا بخلق الله تعالى، فصار هذا البرهان مطابقاً لما دل عليه ظاهر القرآن، هو قوله ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ وأما المعتزلة فإنهم فسروا قوله ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
أما قوله تعالى :﴿فَإِنَّهُمْ ظَـالِمُونَ﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : إن كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفر صح الكلام وهو أنه تعالى سماهم ظالمين، لأن الشرك ظلم قال تعالى :﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان : ١٣) وإن كان الغرض منها منعه من الدعاء على المسلمين الذين خالفوا أمره صح الكلام أيضاً، لأن من عصى الله فقد ظلم نفسه.
المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد من العذاب المذكور في هذه الآية عذاب الدنيا، وهو القتل والأسر وأن يكون عذاب الآخرة، وعلى التقديرين فعلم ذلك مفوض إلى الله.
المسألة الثالثة : قوله تعالى :﴿فَإِنَّهُمْ ظَـالِمُونَ﴾ جملة مستقلة، إلا أن المقصود من ذكرها تعليل حسن التعذيب، والمعنى : أو يعذبهم فإنه إن عذبهم إنما يعذبهم لأنهم ظالمون.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
فيه مسألتان :
المسألة الأولى : إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولاً من قوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الامْرِ شَىْءٌ﴾ والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك، وملك السموات والأرض ليس إلا لله تعالى فالأمر في السموات والأرض ليس إلا لله، وهذا برهان قاطع.
المسألة الثانية : إنما قال :﴿مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِي الارْضِ ﴾ ولم يقل (من) لأن المراد الإشارة إلى الحقائق والماهيات، فدخل فيه الكل.