والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من قولنا انها فوق السموات وتحت العرش، قال عليه السلام : في صفة الفردوس "سقفها عرش الرحمن" وروي أن رسول هرقل سأل النبي صلى الله عليه وسلّم وقال : انك تدعو الى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلّم : سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار. والمعنى والله أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل، وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء ؟
فقال : وأي أرض وسماء تسع الجنة، قيل فأين هي ؟
قال : فوق السموات السبع تحت العرش.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٣٦٤
والوجه الثاني : أن الذين يقولون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن، بل الله تعالى يخلقهما بعد قيام القيامة، فعلى هذا التقدير لا يبعد أن تكون الجنة مخلوقة في مكان السموات والنار في مكان الأرض والله أعلم.
أما قوله :﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فظاهره يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وقد سبق تقرير ذلك قوله تعالى :
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٣٦٤
٣٦٦
اعلم أنه تعالى لما بين أن الجنة معدة للمتقين ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الانسان من اكتساب الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.
فالصفة الأولى : قوله :﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ﴾ وفيه وجوه : الأول : أن المعنى أنهم في حال الرخاء واليسر والقدرة والعسر لا يتركون الانفاق، وبالجملة فالسراء هو الغنى، والضراء هو الفقر. يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدقت بحبة عنب، والثاني : أن المعنى أنهم سواء كانوا في سرور أو في حزن أو في عسر أو في يسر فانهم لا يدعون الاحسان إلى الناس، الثالث : المعنى أن ذلك الاحسان والانفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان على خلاف طبعهم فانهم لا يتركونه، وإنما افتتح الله بذكر الانفاق لأنه طاعة شاقة ولأنه كان في ذلك الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة اليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين.
الصفة الثانية : قوله تعالى :﴿وَالْكَـاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ وفيه مسئلتان.
المسألة الأولى : يقال : كظم غيظة إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل قال : المبرد تأويله أنه كتم على امتلائه منه، يقال : كظمت السقاء إذا ملأنه وسددت عليه، ويقال : فلان لا يكظم على جرته إذا كان لا يحتمل شيئا، وكل ما سددت من مجرى ماء أو باب أو طريق فهو كظم، والذي يسد به يقال له الكظامة والسدادة، ويقال للقناة التي تجري في بطن الأرض كظامة، لامتلائها بالماء كامتلاء القرب المكظومة، ويقال : أخذ فلان بكظم فلان إذا أخذ بمجرى نفسه، لأنه موضع الامتلاء بالنفس، وكظم البعير كظوماً إذا أمسك على ما في جوفه ولم يجتر، ومعنى قوله :﴿وَالْكَـاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الذين يكفون غيظهم عن الامضاء يردون غيظهم في أجوافهم، وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم وهو كقوله :﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى : ٣٧).
المسألة الثانية : قال النبي صلى الله عليه وسلّم :"من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا" وقال عليه السلام : لأصحابه "تصدقوا" فتصدقوا بالذهب والفضة والطعام، وأتاه الرجل بقشور التمر فتصدق به، وجاءه آخر فقال والله ما عندي ما أتصدق به، ولكن أتصدق بعرضي فلا أعاقب أحدا بما يقوله في حديثه، فوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم من قوم ذلك الرجل وفد، فقال عليه السلام :"لقد تصدق منكم رجل بصدقة ولقد قبلها الله منه تصدق بعرضه" وقال عليه السلام :"من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه زوجه الله من الحور العين حيث يشاء" وقال عليه السلام :"ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن / عزاء ومن جرعة غيظ كظمها" وقال عليه السلام "ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب".
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٣٦٦


الصفحة التالية
Icon