المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : الأول : يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي، فان كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية. والثاني : المراد منه وليكرم قوماً بالشهادة، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى :﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران : ١٦٩) وقال :﴿وَجِا ى ءَ بِالنَّبِيِّـانَ وَالشُّهَدَآءِ﴾ (الزمر : ٦٩) وقال :﴿فَ أولئك مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّانَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّـالِحِينَ ﴾ (النساء : ٦٩) فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٣٧١
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بارادة الله تعالى فقالوا : منصب الشهادة على ما ذكرتم، فان كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة، فاذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوباً لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوباً لله تعالى، وأيضاً فقوله :﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ﴾ تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من الله تعالى، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى.
المسألة الثالثة : الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيداً، وفي تعليل هذا الاسم وجوه : الأول : قال النضر بن شميل : الشهداء أحياء لقوله :﴿بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران : ١٦٩) فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها، الثاني : قال ابن الانباري : لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول، الثالث : سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين، كما قال تعالى :﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة : ١٤٣) الرابع : سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله :﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (نوح : ٢٥) فكذا ههنا يجب أن يقال : هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله، كما ماتوا دخلوا الجنة.
ثم قال تعالى :﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّـالِمِينَ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي المشركين، لقوله تعالى :﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان : ١٣) وهو اعتراض بين بعض التعليل وبعض، وفيه وجوه : الأول : والله لا يحب من لا يكون ثابتاً على الايمان صابراً على الجهاد. الثاني : فيه إشارة إلى أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد، لا لأنه يحبهم.
ثم قال :﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ أي ليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم، والمحص : في اللغة التنقية، والمحق في اللغة النقصان، وقال المفضل : هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء، ومنه قوله تعالى :﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الِرّبَوا ﴾ (البقرة : ٢٧٦) أي يستأصله. قال الزجاج : معنى الآية أن الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين، فان حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين، وإن كانت الغلبة للمؤمنين على هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين ومحوهم، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين، لأن تمحيص هؤلاء باهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك باهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة لطيفة في المعنى. والأقرب أن المراد بالكافرين ههنا طائفة مخصوصة منهم وهم الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه وسلّم يوم أحد، وإنما قلنا ذلك لعلمنا بأنه تعالى لم يمحق كل الكفار، بل كثير منهم بقي على كفره والله أعلم.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٣٧١
٣٧٥
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى الوجوه التي هي الموجبات والمؤثرات في مداولة الأيام ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصلي لذلك، فقال ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ بدون تحمل المشاق وفي الآية مسائل :