المسألة الأولى : قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : لما نزل النبي صلى الله عليه وسلّم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل، وأن لا ينتقلوا عن ذلك سواء كان الأمر لهم أو عليهم، فلما وقفوا وحملوا على الكفار وهزموهم وقتل علي طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير والمقداد شدا على المشركين ثم حمل الرسول مع أصحابه فهزموا أبا سفيان، ثم إن بعض القوم لما أن رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم وكثر القتل في المسملين، ورمى عبدالله بن قميئة الحارثي رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه، وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة، فظن أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقال قد قتلت محمدا، وصرخ صارح ألا ان محمدا قد قتل، وكان الصارخ الشيطان، ففشا في الناس خبر قتله، فهنالك قال بعض المسلمين : ليت عبدالله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وقال قوم من المنافقين : لو كان نبيا لما قتل، ارجعوا الى إخوانكم والى دينكم، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك : يا قوم ان كان قد قتل محمد فان رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟
قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه، ثم قال : اللهم اني أعتذر اليك مما يقول هؤلاء، ثم سل سيفه فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى، ومر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط في دمه، فقال : يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل، فقال : ان / كان قد قتل فقد بلغ، قاتلوا على دينكم، ولما شج ذلك الكافر وجه الرسول صلى الله عليه وسلّم وكسر رباعيته، احتمله طلحة بن عبيدالله، ودافع عنه أبو بكر وعلي رضي الله عنهم ونفر آخرون معهم، ثم ان الرسول صلى الله عليه وسلّم جعل ينادي ويقول : الى عباد الله حتى انحازت اليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم، فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولينا مدبرين، ومعنى الآية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة والزام الحجة، لا وجودهم بين أظهر قومهم أبدا.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٣٧٥
المسألة الثانية : قال أبو علي : الرسول جاء على ضربين : أحدهما : يراد به المرسل، والآخر الرسالة، وههنا المراد به المرسل بدليل قوله :﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (البقرة : ٢٥٢) وقوله :﴿يَعْمَلُونَ * يَـا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ (المائدة : ٦٧) وفعول قد يراد به المفعول، كالركوب والحلوب لما يركب ويحلب والرسول بمعنى الرسالة كقوله :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول
أي برسالة، قال : ومن هذا قوله تعالى :﴿إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ ونذكره في موضعه ان شاء الله تعالى ثم قال :﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : حرف الاستفهام دخل على الشرط وهو في الحقيقة داخل على الجزاء، والمعنى أتنقلبون على أعقابكم ان مات محمد أو قتل/ ونظيره قوله : هل زيد قائم، فأنت أنما تستخبر عن قيامه، الا انك أدخلت هل على الاسم والله أعلم.
المسألة الثانية : أنه تعالى بين في آيات كثيرة انه عليه السلام لا يقتل قال :﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (الزمر : ٣٠) وقال :﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ (المائدة : ٦٧) وقال :﴿لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّينِ كُلِّه ﴾ (الصف : ٩) فليس لقائل أن يقول : لما علم أنه لا يقتل فلم قال أو قتل ؟
فان الجواب عنه من وجوه : الأول : أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها، فانك تقول : ان كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين، فالشرطية صادقة وجزآها كاذبان، وقال تعالى :﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ (الأنبياء : ٢٢) فهذا حق مع أنه ليس فيهما آلهة، وليس فيهما فساد، فكذا ههنا. والثاني : ان هذا ورد على سبيل الالزام، فان موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك، والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لا يرجعون عن دينه، فكذا ههنا، والثالث : ان الموت لا يوجب رجوع الأمة عن دينه، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه، لانه فارق بين الأمرين، فلما رجع الى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين وهموا بالارتداد.


الصفحة التالية
Icon