واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيين بنوعين : أولا بصفات النفي، وثانيا بصفات الاثبات، أما المدح بصفات النبي فهو قوله تعالى :﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ ولا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة، قال صاحب "الكشاف" : ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار، عند الارجاف بقتل رسولهم، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبدالله بن أبي، وطلب الأمان من أبي سفيان، ويحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم، ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم، والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم، وفيه وجه ثالث وهو ان الوهن ضعف يلحق القلب. والضعف المطلق هو اختلال القوة والقدرة بالجسم، والاستكانة هي إظهار ذلك العجز وذلك الضعف، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة، قال الواحدي : الاستكانة الخضوع، وهو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٣٧٩
ثم قال تعالى :﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّـابِرِينَ﴾ والمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طريق الله ولم يظهر الجزع والعجز والهلع فان الله يحبه، ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه واعزازه وتعظيمه، والحكم له بالثواب والجنة، وذلك نهاية المطلوب.
ثم انه تعالى أتبع ذلك بأن مدحهم بصفات الثبوت فقال :
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٣٧٩
٣٨١
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قوله :﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى، والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف.
المسألة الثانية : بين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع بطلب / الامداد والاعانة من الله، والغرض منه أن يقتدى بهم في هذه الطريقة أمة محمد صلى الله عليه وسلّم، فان من عول في تحصيل مهماته على نفسه ذل، ومن اعتصم بالله فاز بالمطلوب، قال القاضي : إنما قدموا قولهم :﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا﴾ لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين، فاذا لم تحصل النصرة وظهر أمارات استيلاء العدو، دل ذلك ظاهرا على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين ؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة، فبين تعالى أنهم بدأوا بالتوبة عن كل المعاصي وهو المراد بقوله :﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فدخل فيه كل الذنوب، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر، ثم انهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها وهو المراد من قوله :﴿وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا﴾ لان الاسراف في كل شيء هو الافراط فيه، قال تعالى :﴿قُلْ يَـاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى ا أَنفُسِهِمْ﴾ (الزمر : ٥٣) وقال :﴿فَلا يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ ﴾ (الإسراء : ٣٣) وقال :﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِى الارْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف : ٣١) ويقال : فلان مسرف اذا كان مكثرا في النفقة وغيرها، ثم انهم لما فرغوا من ذلك سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم، وذلك بازالة الخوف عن قلوبهم، وازالة الخواطر الفاسدة عن صدورهم، ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على القوم الكافرين، لان هذه النصرة لا بد فيها من أمور زائدة على ثبات أقدامهم، وهو كالرعب الذي يلقيه في قلوبهم، واحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم، مثل هبوب رياح تثير الغبار في وجوههم، ومثل جريان سيل في موضع وقوفهم، ثم قال القاضي : وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالادعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره.
جزء : ٩ رقم الصفحة : ٣٨١
٣٨٢
واعلم أنه تعالى لما شرح طريقة الربيين في الصبر، وطريقتهم في الدعاء ذكر أيضا ما ضمن لهم في مقابلة ذلك في الدنيا والآخرة فقال :﴿فَـاَاتَـاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ ﴾ وفيه مسائل :


الصفحة التالية
Icon