الحجة الخامسة : أن الرجل أمر بقراءة القرآن في الصلاة، ومن قرأ بالفارسية لم يقرأ القرآن، فوجب أن لا يخرج عن العهدة، إنما قولنا إنه أمر بقراءة القرآن لقوله تعالى :﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ ﴾ (المزمل : ٢٠) ولقوله عليه السلام للإعرابي :"ثم إقرأ بما تيسر معك من القرآن"/ وإنما قلنا إن الكلام المرتب بالفارسية ليس بقرآن لوجوه : الأول : قوله تعالى :﴿وَإِنَّه لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ (الشعراء : ١٩٢) إلى قوله :﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾. (الشعراء : ١٩٥) الثاني : قوله تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِه ﴾، (إبراهيم : ٤) الثالث : قوله تعالى :﴿وَلَوْ جَعَلْنَـاهُ قُرْءَانًا أعْجَمِيًّا﴾ (فصلت : ٤٤) وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره وهذا يدل على أنه تعالى ما جعله قرآناً أعجمياً، فيلزم أن يقال : أن كل ما كان أعجمياً فهو ليس بقرآن. الرابع : قوله تعالى :﴿قُل لَّـاـاِنِ اجْتَمَعَتِ الانسُ وَالْجِنُّ عَلَى ا أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـاذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء : ٨٨) فهذا الكلام المنظوم بالفارسية : إما أن يقال إنه عين الكلام العربي أو مثله، أو لا عينه ولا مثله، والأول معلوم البطلان بالضرورة، والثاني باطل، إذ لو كان هذا النظم الفارسي مثلاً لذلك الكلام العربي لكان الآتي به آتياً بمثل القرآن، وذلك يوجب تكذيب الله سبحانه في قوله :﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه ﴾ ولما ثبت أن هذا الكلام المنظوم بالفارسية ليس عين القرآن ولا مثله ثبت أن قارئه لم يكن قارئاً للقرآن، وهو المطلوب، فثبت أن المكلف أمر بقراءة ولم يأتِ به، فوجب أن يبقى في العهدة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة السادسة : ما رواه ابن المنذر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فنقول : هذه الكلمات المنظومة بالفارسية إما أن يقول أبو حنيفة إنها قرآن أو يقول إنها ليست بقرآن، والأول جهل عظيم وخروج عن الإجماع، وبيانه من وجوه : الأول : أن أحداً من العقلاء لا يجوز في عقله ودينه أن يقول إن قول القائل دوستان در بهشت قرآن. الثاني : يلزم أن يكون القادر على ترجمة القرآن / آتياً بقرآن مثل الأول وذلك باطل.
الحجة السابعة : روى عبد الله بن أبي أوفى أن رجلاً قال : يا رسول الله، إني لا أستطيع أن أحفظ القرآن كما يحسن في الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلّم :"قل سبحان الله والحمد لله إلى آخر هذا الذكر"، وجه الدليل أن الرجل لما سأله عما يجزئه في الصلاة عند العجز عن قراءة القرآن العربي أمره الرسول عليه السلام بالتسبيح، وذلك يبطل قول من يقول إنه يكفيه أن يقول دوستان دربهشت.
الحجة الثامنة : يقال إن أول الإنجيل هو قوله بسم إلاهاً رحماناً ومرحياناً وهذا هو عين ترجمة بسم الله الرحمن الرحيم، فلو كانت ترجمة القرآن نفس القرآن لقالت النصارى إن هذا القرآن إنما أخذته من عين الإنجيل، ولما لم يقل أحد هذا علمنا أن ترجمة القرآن لا تكون قرآناً.
الحجة التاسعة : أنا إذا ترجمنا قوله تعالى :﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـاذِه إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ (الكهف : ١٩) كان ترجمته بفرستيديكي أزشما بانقره بشهربس بنكردكه كدام طعام بهترست اره ازان بياورد، ومعلوم أن هذا الكلام من جنس كلام الناس لفظاً ومعنى فوجب أن لا تجوز الصلاة به، لقوله عليه الصلاة والسلام :"إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس"، وإذا لم تنعقد الصلاة بترجمة هذه الآية فكذا بترجمة سائر الآيات، لأنه لا قائل بالفرق، وأيضاً فهذه الحجة جارية في ترجمة قوله تعالى :﴿هَمَّازٍ مَّشَّآءا بِنَمِيمٍ﴾ (القلم : ١١) إلى قوله :﴿عُتُلٍا بَعْدَ ذَالِكَ زَنِيمٍ﴾ (القلم : ١٣) فإن ترجمتها لا تكون شتماً من جنس كلام الناس في اللفظ والمعنى، وكذلك قوله تعالى :﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُانبِتُ الارْضُ مِنا بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا﴾ (البقرة : ٦١) فإن ترجمة هذه الآية تكون من جنس كلام الناس لفظاً ومعنى، وهذا بخلاف ما إذا قرأنا عين هذه الآيات بهذه الألفاظ لأنها بحسب تركيبها المعجز ونظمها البديع تمتاز عن كلام الناس والعجب من الخصوم أنهم قالوا : إنه لو ذكر في آخر التشهد دعاء يكون من جنس كلام الناس فسدت صلاته ثم قالوا : تصح الصلاة بترجمة هذه الآيات مع أن ترجمتها عين كلام الناس لفظاً ومعنى.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧


الصفحة التالية
Icon