إذا ثبت أن قراءة الفاتحة شرط من شرائط الصلاة فله فروع : الفرع الأول : قد بينا أنه لو ترك قراءة الفاتحة أو ترك حرفاً من حروفها عمداً بطلت صلاته، أما لو تركها سهواً قال الشافعي في القديم لا تفسد صلاته، واحتج بما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال : صلى بنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه المغرب فترك القراءة فلما انقضت الصلاة قيل له : تركت القراءة، قال : كيف كان الركوع والسجود ؟
قالوا : حسناً، قال : فلا بأس، قال الشافعي : فلما وقعت هذه الواقعة بمحضر من الصحابة كان ذلك إجماعاً، ورجع الشافعي عنه في الجديد، وقال : تفسد صلاته ؛ لأن الدلائل المذكورة عامة في العمد والسهو، ثم أجاب عن قصة عمر من وجهين : الأول : أن الشعبي روى أن عمر رضي الله عنه أعاد الصلاة. والثاني : أنه لعله ترك الجهر بالقراءة لا نفس القراءة، قال الشافعي هذا هو الظن بعمر.
الفرع الثاني : تجب الرعاية في ترتيب القراءة، فلو قرأ النصف الأخير ثم النصف الأول يحسب له لأول دون الأخير.
الفرع الثالث : الرجل الذي لا يحسن تمام الفاتحة إما أن يحفظ بعضها، وإما أن لا يحفظ شيئاً منها، أما الأول : فإنه يقرأ تلك الآية ويقرأ معها ست آيات على الوجه الأقرب وأما الثاني ـ وهو أن لا يحفظ شيئاً من الفاتحة ـ فههنا إن حفظ شيئاً من القرآن لزمه قراءة ذلك المحفوظ، لقوله تعالى :﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ ﴾ (المزمل : ٢٠) وإن لم يحفظ شيئاً من / القرآن فههنا يلزمه أن يأتي بالذكر، وهو التكبير والتحميد، وقال أبو حنيفة لا يلزمه شيء، حجة الشافعي ما روى رفاعة بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله، ثم يكبر، فإن كان معه شيء من القرآن فليقرأ، وإن لم يكن معه شيء من القرآن فليحمد الله وليكبر، بقي ههنا قسم واحد، وهو أن لا يحفظ الفاتحة ولا يحفظ شيئاً من القرآن ولا يحفظ أيضاً شيئاً من الأذكار العربية، وعندي أنه يؤمر بذكر الله تعالى بأي لسان قدر عليه تمسكاً بقوله عليه الصلاة والسلام :"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
المسألة الخامسة عشرة : نقل في الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن، وكان ينكر كون المعوذتين من القرآن، واعلم أن هذا في غاية الصعوبة، لأنا إن قلنا إن النقل المتواتر كان حاصلاً في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن فحينئذٍ كان ابن مسعود عالماً بذلك فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان العقل، وإن قلنا إن النقل المتواتر في هذا المعنى ما كان حاصلاً في ذلك الزمان فهذا يقتضي أن يقال إن نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب باطل، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة، وههنا آخر الكلام في المسائل الفقهية المفرعة على سورة الفاتحة والله الهادي للصواب.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الباب الخامس
في تفسير سورة الفاتحة، وفيه فصول
الفصل الأول
تفسير "الحمد لله" :
في تفسير قوله تعالى :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وفيه وجوه : الأول : ههنا ألفاظ ثلاثة : الحمد، والمدح والشكر، فنقول : الفرق بين الحمد والمدح من وجوه : الأول : أن المدح قد يحصل للحي ولغير الحي، ألا ترى أن من رأى لؤلؤة في غاية الحسن أو ياقوتة في غاية الحسن فإنه قد يمدحها، ويستحيل أن يحمدها، فثبت أن المدح أعم من الحمد الوجه الثاني في الفرق : أن المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده، أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان الوجه الثالث في الفرق : أن المدح قد يكون منهياً عنه، قال عليه الصلاة والسلام :"احثوا التراب في وجوه المداحين" أما الحمد فإنه مأمور به مطلقاً، قال صلى الله عليه وسلّم :"من لم / يحمد الناس لم يحمد الله" الوجه الرابع : أن المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصاً بنوع من أنواع الفضائل، وأما الحمد فهو القول الدال على كونه مختصاً بفضيلة معينة، وهي فضيلة الأنعام والإحسان فثبت بماذ كرنا أن المدح أعم من الحمد.
وأما الفرق بين الحمد وبين الشكر فهو أن الحمد يعم ما إذا وصل ذلك الأنعام إليك أو إلى غيرك/ وأما الشكر فهو مختص بالأنعام الواصل إليك.