الفائدة التاسعة : لا شك أن الوجود خير من العدم، والدليل عليه أن كل موجود حي فإنه يكره عدم نفسه، ولولا أن الوجود خير من العدم وإلا لما كان كذلك، وإذا ثبت هذا فنقول وجود كل شيء ما سوى الله تعالى فإنه حصل بإيجاد الله وجوده وفضله وإحسانه، وقد ثبت أن الوجود نعمة، فثبت أنه لا موجود في عالم الأرواح والأجسام والعلويات والسفليات إلا ولله عليه نعمة ورحمة وإحسان، والنعمة والرحمة والإحسان موجبة للحمد والشكر، فإذا قال العبد الحمد لله فليس مراده الحمد لله على النعم الواصلة إلى بل المراد، الحمد لله على النعم الصادرة منه وقد بينا أن إنعامه / واصل إلى ما كل سواه، فإذا قال العبد الحمد لله كان معناه الحمد لله على إنعامه على كل مخلوق خلقه وعلى كل محدث أحدثه من نور وظلمة وسكون وحركة وعرش وكرسي وجني وأنسي وذات وصفة وجسم وعرض إلى أبد الآباد ودهر الداهرين، وأنا أشهد أنها بأسرها حقك وملكك وليس لا حد معك فيها شركة ومنازعة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الفائدة العاشرة : لقائل أن يقول : التسبيح مقدم على التحميد، لأنه يقال سبحانك الله والحمد لله فما السبب ههنا في وقوع البداية بالتحميد ؟
والجواب أن التحميد يدل على التسبيح دلالة التضمن، فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص والآفات، والتحميد يدل مع حصول تلك الصفة على كونه محسناً إلى الخلق منعماً عليهم رحيماً بهم، فالتسبيح إشارة إلى كونه تعالى تاماً والتحميد يدل على كونه تعالى فوق التمام، فلهذا السبب كان الابتداء بالتحميد أولى، وهذا الوجه مستفاد من القوانين الحكمية، وأما الوجه اللائق بالقوانين الأصولية فهو أن الله تعالى لا يكون محسناً بالعباد إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ليعلم أصناف حاجات العباد، وإلا إذا كان قادراً على كل المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه، وإلا إذا كان غنياً عن كل الحاجات، إذ لو لم يكن كذلك لكان اشتغاله بدفع الحاجة عن نفسه يمنعه عن دفع حاجة العبد فثبت أن كونه محسناً لا يتم إلا بعد كونه منزهاً عن النقائض والآفات، فثبت أن الابتداء بقوله الحمد لله أولى من الابتداء بقوله سبحان الله.
الفائدة الحادية عشرة : الحمد لله له تعلق بالماضي وتعلق بالمستقبل/ أما تعلقه بالماضي فهو أنه يقع شكراً على النعم المتقدمة، وأما تعلقه بالمستقبل فهو أنه يوجب تجدد النعم في الزمان المستقبل، لقوله تعالى :﴿لَـاـاِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ ﴾ (إبراهيم : ٧) والعقل أيضاً يدل عليه، وهو أن النعم السابقة توجب الإقدام على الخدمة، والقيام بالطاعة، ثم إذا اشتغل بالشكر انفتحت على العقل والقلب أبواب نعم الله تعالى، وأبواب معرفته ومحبته، وذلك من أعظم النعم، فلهذا المعنى كان الحمد بسبب تعلقه بالماضي يغلق عنك أبواب النيران، وبسبب تعلقه بالمستقبل بفتح لك أبواب الجنان، فتأثيره في الماضي سد أبواب الحجاب عن الله تعالى ؛ وتأثيره في المستقبل فتح أبواب معرفة الله تعالى، ولما كان لا نهاية لدرجات جلال الله فكذلك لا نهاية للعبد في معارج معرفة الله، ولا مفتاح لها إلا قولنا الحمد لله، فلهذا السبب سميت سورة الحمد بسورة الفاتحة.
الفائدة الثانية عشرة : الحمد لله كلمة شريفة جليلة لكن لا بدّ من ذكرها في موضعها وإلا لم يحصل المقصود منها، قيل للسري السقطي : كيف يجب الإتيان بالطاعة ؟
قال : أنا منذ ثلاثين سنة أستغفر الله عن قولي مرة واحدة الحمد لله، فقيل كيف ذلك ؟
قال : وقع الحريق في بغداد واحترقت الدكاكين والدور فأخبروني إن دكاني لم يحترق فقلت الحمد لله وكان معناه أني فرحت / ببقاء دكاني حال احتراق دكاكين الناس وكان حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قولي الحمد لله، فثبت بهذا أن هذه الكلمة وإن كانت جليلة القدر إلا أنه يجب رعاية موضعها، ثم إن نعم الله على العبد كثيرة، إلا أنها بحسب القسمة الأولى محصورة في نوعين : نعم الدنيا، ونعم الدين، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا لوجوه كثيرة، وقولنا الحمد لله كلمة جليلة شريفة فيجب على العاقل إجلال هذه الكلمة من أن يذكرها في مقابلة نعم الدنيا، بل يجب أن لا يذكرها إلا عند الفوز بنعم الدين، ثم نعم الدين قسمان : أعمال الجوارح، وأعمال القلوب، القسم الثاني : أشرف، ثم نعم الدنيا قسمان : تارة تعتبر تلك النعم من حيث هي نعم، وتارة تعتبر من حيث إنها عطية المنعم، والقسم الثاني : أشرف، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يكون ذكر قولنا الحمد لله موافقاً لموضعه لائقاً بسببه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧