الفائدة السادسة : لقد اشتهر أن النبي عليه السلام لما كسرت رباعيته قال :"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"، فظهر أنه يوم القيامة يقول :"أمتي، أمتي"، فهذا كرم عظيم منه في الدنيا وفي الآخرة، وإنما حصل فيه هذا الكرم وهذا الإحسان لكونه رحمة كما قال تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَـالَمِينَ﴾ فإذا كان أثر الرحمة الواحدة بلغ هذا المبلغ فكيف كرم من هو رحمن رحيم ؟
وأيضاً روي أنه عليه السلام قال :"اللهم اجعل حساب أمتي على يدي"، ثم إنه امتنع عن الصلاة على الميت لأجل أنه كان مديوناً بدرهمين، وأخرج عائشة / عن البيت بسبب الإفك فكأنه تعالى قال له إن لك رحمة واحدة وهي قوله :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَـالَمِينَ﴾ (الأنبياء : ١٠٧) والرحمة الواحدة لا تكفي في إصلاح عالم المخلوقات، فذرني وعبيدي واتركني وأمتك فإني أنا الرحمن الرحيم، فرحمتي لا نهاية لها، ومعصيتهم متناهية، والمتناهي في جنب غير المتناهي يصير فانياً، فلا جرم معاصي جميع الخلق تفنى في بحار رحمتي، لأني أنا الرحمن الرحيم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الفائدة السابعة : قالت القدرية : كيف يكون رحماناً رحيماً من خلق الخلق للنار ولعذاب الأبد ؟
وكيف يكون رحماناً رحيماً من يخلق الكفر في الكافر ويعذبه عليه ؟
وكيف يكون رحماناً رحيماً من أمر بالإيمان ثم صد ومنع عنه ؟
وقالت الجبرية : أعظم أنواع النعمة والرحمة هو الإيمان فلو لم يكن الإيمان من الله بل كان من العبد لكان اسم الرحمن الرحيم بالعبد أولى منه بالله، والله أعلم.
الفصل الرابع
في تفسير قوله مالك يوم الدين، وفيه فوائد
تفسير (مالك يوم الدين) :
الفائدة الأولى : قوله مالك يوم الدين، أي : مالك يوم البعث والجزاء، وتقريره أنه لا بدّ من الفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، والموافق والمخالف، وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء كما قال تعالى :﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَـا ـاُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النجم : ٣١) وقال تعالى :﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الارْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص : ٢٨) وقال :﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسا بِمَا تَسْعَى ﴾ (طه : ١٥) واعلم أن من سلط الظالم على المظلوم ثم إنه لا ينتقم منه فذاك إما للعجز أو للجهل أو لكونه راضياً بذلك الظلم، وهذه الصفات الثلاث على الله تعالى محال، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين، ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا وجب أن يحصل في دار الأخرى بعد دار الدنيا، وذلك هو المراد بقوله :﴿مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة : ٤) وبقوله :﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه ﴾ (الزلزلة : ٧) الآية روي أنه يجاء برجل يوم القيامة فينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة ألبتة، فيأتيه النداء، يا فلان أدخل الجنة بعملك، فيقول : إلهي، ماذا عملت ؟
فيقول الله تعالى : ألست لما كنت نائماً تقلبت من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت في خلال ذلك "الله" ثم غلبك النوم في الحال فنسيت / ذلك أما أنا فلا تأخذني سنة ولا نوم فما نسيت ذلك، وأيضاً يؤتى برجل وتوزن حسناته وسيئاته فتخف حسناته فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة أن لا إله إلا الله فلا يثقل مع ذكر الله غيره.
واعلم أن الواجبات على قسمين : حقوق الله تعالى، وحقوق العباد : أما حقوق الله تعالى فمبناها على المسامحة لأنه تعالى غني عن العالمين، وأما حقوق العباد فهي التي يجب الاحتراز عنها.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
روي أن أبا حنيفة رضي الله عنه كان له على بعض المجوس مال فذهب إلى داره ليطالبه به، فلما وصل إلى باب داره وقع على نعله نجاسة، فنفض نعله فارتفعت النجاسة عن نعفله ووقعت على حائط دار المجوسي فتحير أبو حنيفة وقال : إن تركتها كان ذلك سبباً لقبح جدار هذا المجوسي، وإن حككتها انحدر التراب من الحائط، فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها : قولي لمولاك إن أبا حنيفة بالباب، فخرج إليه وظن أنه يطالبه بالمال، فأخذ يعتذر/ فقال أبو حنيفة رضي الله عنه، ههنا ما هو أولى، وذكر قصة الجدار، وأنه كيف السبيل إلى تطهيره فقال المجوسي : فأنا أبدأ بتطهير نفسي فأسلم في الحال، والنكتة فيه أن أبا حنيفة لما احترز عن ظلم المجوسي في ذلك القدر القليل من الظلم فلأجل تركه ذلك انتقل المجوسي من الكفر إلى الإيمان، فمن احترز عن الظلم كيف يكون حاله عند الله تعالى.


الصفحة التالية
Icon