﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. الوجه الرابع : أن العبودية ذلة ومهانة إلا / أنه كلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية به أهنأ وأمرأ، ولما كان الله تعالى أشرف الموجودات وأعلاها فكانت عبوديته أولى من عبودية غيره، وأيضاً قدرة الله تعالى أعلى من قدرة غيره وعلمه أكمل من علم غيره وجوده أفضل من جود غيره، فوجب القطع بأن عبوديته أولى من عبودية غيره، فلهذا السبب قال إياك نعبد وإياك نستعين. الوجه الخامس : أن كل ما سوى الواجب لذاته يكون ممكناً لذاته وكل ما كان ممكناً لذاته كان محتاجاً فقيراً والمحتاج مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه القيام بدفع الحاجة عن الغير، والشي ما لم يكن غنياً في ذاته لم يقدر على دفع الحاجة عن غيره والغني لذاته هو الله تعالى فدافع الحاجات هو الله تعالى، فمستحق العبادات هو الله تعالى، فلهذا السبب قال : إياك نعبد وإياك نستعين. الوجه السادس : استحقاق العبادة يستدعي قدرة الله تعالى بأن يمسك سماء بلا علاقة، وأرضاً بلا دعامة، ويسير الشمس والقمر، ويسكن القطبين، ويخرج من السحاب تارة النار وهو البرق، وتارة الهواء وهي الريح، وتارة الماء وهو المطر، وأما في الأرض فتارة يخرج الماء من الحجر وهو ظاهر، وتارة يخرج الحجر من الماء وهو الجمد، ثم جعل في الأرض أجساماً مقيمة لا تسافر وهي الجبال ؛ وأجساماً مسافرة لا تقيم وهي الأنهار، وخسف بقارون فجعل الأرض فوقه، ورفع محمداً عليه الصلاة والسلام فجعل قاب قوسين تحته، وجعل الماء ناراً على قوم فرعون أغرقوا فأدخلوا ناراً، وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، ورفع موسى فوق الطور، وقال له :﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ (طه : ١٢) ورفع الطور عى موسى وقومه ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ (البقرة : ٦٣) وغرق الدنيا من التنور اليابسة لقوله :﴿وَفَارَ التَّنُّورُ ﴾ (هود : ٤٠) وجعل البحر يبساً لموسى عليه السلام، فمن كانت قدرته هكذا كيف يسوى في العبادة بينه وبين غيره من الجمادات أو النبات أو الحيوان أو الإنسان أو الفلك أو الملك، فإن التسوية بين الناقص والكامل والخسيس والنفيس تدل على الجهل والسفه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الفائدة الثانية : قوله إياك نعبد يدل على أنه لا معبود إلا الله، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه لا إله إلا الله، فقوله :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يدل على التوحيد المحض واعلم أن المشركين طوائف، وذلك لأن كل من اتخذ شريكاًا لله فذلك الشريك إما أن يكون جسماً وإما أن لا يكون، أما الذين اتخذوا شريكاً جسمانياً فذلك الشريك أما أن يكون من الأجسام السفلية أو من الأجسام العلوية، أما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام السفلية فذلك الجسم إما أن يكون مركباً أو بسيطاً، أما المركب فأما أن يكون من المعادن أو من النبات أو من الحيوان أو من الإنسان، أما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام المعدنية فهم الذين يتخذون الأصنام إما من الأحجار أو من الذهب أو من الفضة ويعبدونها، وأما الذين / اتخذوا الشركاء من الأجسام النباتية فهم الذين اتخذوا شجرة معينة معبوداً لأنفسهم، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الحيوان فهم الذين اتخذوا العجل معبوداً لأنفسهم، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الناس فهم الذين قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام البسيطة فهم الذين يعبدون النار وهم المجوس، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام العلوية فهم الذين يعبدون الشمس والقمر وسائر الكواكب ويضيفون السعادة والنحوسة إليها وهم الصابئة وأكثر المنجمين، وأما الذين اتخذوا الشركاء لله من غير الأجسام فهم أيضاً طوائف : الطائفة الأولى : الذين قالوا مدبر العالم هو النور والظلمة، وهؤلاء هم المانوية والثنوية. والطائفة الثانية : هم الذين قالوا : الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ولكل نوع من أنواع هذا العالم روح فلكي يدبره ويتخذون لتلك الأرواح صوراً وتماثيل ويعبدونها وهؤلاء هم عبدة الملائكة ؛ والطائفة الثالثة : الذين قالوا للعالم إلهان : أحدهما : خير، والآخر شرير، وقالوا : مدبر هذا العالم هو الله تعالى وإبليس، وهما أخوان، فكل ما في العالم من الخيرات فهو من الله وكل ما فيه من الشر فهو من إبليس.