الثالث : أن الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى عالم السرور، ومن الاشتغال بالخلق إلى حضرة الحق، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة : يحكى عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف/ وتفرق الناس، وكان أبو حنيفة في الصلاة ولم يشعر بها، ووقعت الآكلة في بعض أعضاء عروة بن الزبير، واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو، فلما شرع في الصلاة قطعوا منه ذلك العضو فلم يشعر عروة بذلك القطع، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا يسمعون من صدره، أزيزاً كأزيز المرجل، ومن استبعد هذا فليقرأ قوله تعالى :﴿فَلَمَّا رَأَيْنَه ا أَكْبَرْنَه وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ (يوسف : ٣١) فإن النسوة لما غلب على قلوبهن جمال يوسف / عليه السلام وصلت تلك الغلبة إلى حيث قطعن أيديهن وما شعرن بذلك، فإذا جاز هذا في حق البشر فلأن يجوز عند استيلاء عظمة الله على القلب أولى، ولأن من دخل على ملك مهيب فربما مر به أبواه وبنوه وهو ينظر إليهم ولا يعرفهم لأجل أن استيلاء هيبة ذلك الملك تمنع القلب عن الشعور بهم، فإذا جاز هذا في حق ملك مخلوق مجازى فلأن يجوز في حق خالق العالم أولى.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
ثم قال أهل التحقيق : العبادة لها ثلاث درجات : الدرجة الأولى : أن يعبد الله طمعاً في الثواب أو هرباً من العقاب، وهذا هو المسمى بالعبادة، وهذه الدرجة نازلة ساقطة جداً، لأن معبوده في الحقيقة هو ذلك الثواب، وقد جعل الحق وسيلة إلى نيل المطلوب، ومن جعل المطلوب بالذات شيئاً من أحوال الخلق وجعل الحق وسيلة إليه فهو خسيس جداً.
والدرجة الثانية : أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته، أو يتشرف بقبول تكاليفه، أو يتشرف بالانتساب إليه، وهذه الدرجة أعلى من الأولى، إلا أنها أيضاً ليست كاملة، لأن المقصود بالذات غير الله.
والدرجة الثالثة : أن يعبد الله لكونه إلهاً وخالقاً، ولكونه عبداً له، والإلهية توجب الهيبة والعزة، والعبودية توجب الخضوع والذلة، وهذا أعلى المقامات وأشرف الدرجات، وهذا هو المسمى بالعبودية، وإليه الإشارة بقول المصلي في أول الصلاة أصلي لله، فإنه لو قال أصلي لثواب الله، أو للهرب من عقابه فسدت صلاته.
واعلم أن العبادة والعبودية مقام عالٍ شريف، ويدل عليه آيات : الأولى : قوله تعالى في آخر سورة الحجر :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّـاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر : ٩٧ ـ ٩٩) والاستدلال بها وجهين : أحدهما : أنه قال :﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ فأمر محمداً عليه الصلاة والسلام بالمواظبة على العبادة إلى أنه يأتيه الموت، ومعناه أنه لا يجوز الإخلال بالعبادة في شيء من الأوقات، وذلك يدل على غاية جلالة أمر العبادة، وثانيهما : أنه قال :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ ثم إنه تعالى أمره بأربعة أشياء : التسبيح : وهو قوله فسبح ؛ والتحميد : وهو قوله بحمد ربك ؛ والسجود : وهو قوله :﴿وَكُن مِّنَ السَّـاجِدِينَ﴾ والعبادة ؛ وهي قوله :﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ؛ وهذا يدل على أن العبادة تزيل ضيق القلب، وتفيد انشراح الصدر، وما ذاك إلا لأن العبادة توجب الرجوع من الخلق إلى الحق، وذلك يوجب زوال ضيق القلب.
الآية الثانية : في شرف العبودية : قوله تعالى :﴿سُبْحَـانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِه لَيْلا﴾ (الإسراء : ١) ولولا أن العبودية أشرف المقامات، وإلا لما وصفه الله بهذه الصفة في أعلى مقامات المعراج، ومنهم من قال : العبودية أشرف من الرسالة، لأن بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق، وأيضاً بسبب العبودية ينعزل عن التصرفات، وبسبب الرسالة يقبل على التصرفات، واللائق بالعبد والانعزال عن التصرفات، وأيضاً العبد يتكفل المولى بإصلاح مهماته/ والرسول هو المتكفل بإصلاح مهمات الأمة، وشتان ما بينهما.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الآية الثالثة : في شرف العبودية : أن عيسى أول ما نطق قال :﴿إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ﴾ (مريم : ٣٠) وصار ذكره لهذه الكلمة سبباً لطهارة أمه، ولبراءة وجوده عن الطعن، وصار مفتاحاً لكل الخيرات، ودافعاً لكل الآفات، وأيضاً لما كان أول كلام عيسى ذكر العبودية كانت عاقبته الرفعة، كما قال تعالى :﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾، (آل عمران : ٥٥) والنكتة أن الذي ادعى العبودية بالقول رفع إلى الجنة، والذي يدعيها بالعمل سبعين سنة كيف يبقى محروماً عن الجنة.


الصفحة التالية
Icon