الفائدة الأولى : في حد النعمة، وقد اختلف فيها/ فمنهم من قال إنها عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان ءلى الغير، قالوا وإنما زدنا هذا القيد لأن النعمة يستحق بها الشكر، وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر، والحق أن هذا القيد غير معتبر، لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظوراً، لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذنب والعقاب، فأي امتناع في اجتماعهما ؟
ألا ترى أن الفاسق يستحق بإنعامه الشكر، والذم بمعصية الله، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
ولنرجع إلى تفسير الحد المذكور فنقول : أما قولنا "المنفعة" فلان المضرة المحضة لا تكون نعمة، وقولنا "المفعولة على جهة الإحسان" لأنه لو كان نفعاً حقاً وقصد الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة، وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها.
إذا عرفت حد النعمة فيتفرع عليه فروع : الفرع الأول : اعلم أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى :﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه ﴾ (النحل : ٥٣) ثم أن النعمة على ثلاثة أقسام : أحدها : نعمة تفرد لله بإيجادها، نحو أن خلق ورزق. وثانيها : نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر، وفي الحقيقة فهي أيضاً إنما وصلت من الله تعالى، وذلك لأنه / تعالى هو الخالق لتلك النعمة، والخالق لذلك المنعم، والخالق لداعية الأنعام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم، إلا أنه تعالى لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد كان ذلك العبد مشكوراً، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ولهذا قال :﴿أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان : ١٤) فبدأ بنفسه تنبيهاً على أن إنعام الخلق لا يتم إلا بإنعام الله، وثالثها : نعم وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا، وهي أيضاً من الله تعالى ؛ لأنه لولا أن الله سبحانه وتعالى وفقنا للطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا وإلا لما وصلنا إلى شيء منها، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم في الحقيقة من الله تعالى.
الفرع الثاني : أن أول نعم الله على العبيد هو أن خلقهم أحياء، ويدل عليه العقل والنقل أما العقل فهو أن الشيء لا يكون نعمة إلا إذا كان بحيث يمكن الانتفاع به، ولا يمكن الانتفاع به إلا عند حصول الحياة، فإن الجماد والميت لا يمكنه أن ينتفع بشيء، فثبت أن أصل جميع النعم هو الحياة، وأما النقل فهو أنه تعالى قال :﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَـاكُمْ ﴾ ثم قال عقيبه :﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة : ٢٩) فبدأ بذكر الحياة، وثنى بذكر الأشياء التي ينتفع بها، وذلك يدل على أن أصل جميع النعم هو الحياة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الفرع الثالث : اختلفوا في أنه هل لله تعالى نعمة على الكافر أم لا ؟
فقال بعض أصحابنا : ليس لله تعالى على الكافر نعمة، وقالت المعتزلة : لله على الكافر نعمة دينية، ونعمة دنيوية واحتج الأصحاب على صحة قولهم بالقرآن والمعقول : أما القرآن فآيات. إحداها : قوله تعالى :﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك لأنه لو كان لله على الكافر نعمة لكانوا داخلين تحت قوله تعالى :﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولو كان كذلك لكان قوله :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ طلباً لصراط الكفار، وذلك باطل، فثبت بهذه الآية أنه ليس لله نعمة على الكفار، فإن قالوا : إن قوله الصراط يدفع ذلك، قلنا : إن قولنا :﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من قوله :﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فكان التقدير إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم/ وحينئذٍ يعود المحذور المذكور. والآية الثانية : قوله تعالى :﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لانفُسِهِم إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾ (آل عمران : ١٧٨) وأما المعقول فهو أن نعم الدنيا في مقابلة عذاب الآخرة على الدوام قليلة كالقطرة في البحر، ومثل هذا لا يكون نعمة، بدليل أن من جعل السم في الحلواء لم يعد النفع الحاصل منه نعمة لأجل أن ذلك النفع حقير في مقابلة ذلك الضرر الكثير، فكذا ههنا.


الصفحة التالية
Icon