فأولها : قوله :﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ (البقرة : ٢٨٦) وضد النسيان هو الذكر كما قال تعالى :﴿عَلِيمًا * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (الأحزاب : ٤١) وقوله :﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (الكهف : ٢٤) وقوله :﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف : ٢١) وقوله :﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ وهذا الذكر إنما يحصل بقوله بسم الله الرحن الرحيم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
وثانيها : قوله :﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَه عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ﴾ ودفع الأصر ـ والأصر هو الثقل ـ يوجب الحمد/ وذلك إنما يحصل بقوله الحمد لله رب العالمين.
وثالثها : قوله :﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه ﴾ وذلك إشارة إلى كمال رحمته، وذلك هو قوله الرحمن الرحيم.
ورابعها : قوله :﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين، وهو قوله مالك يوم الدين.
وخامسها : قوله تعالى :﴿وَاغْفِرْ لَنَآ ﴾ لأنا في الدنيا عبدناك واستعنا بك في كل المهمات، وهو قوله إياك نعبد وإياك نستعين.
وسادسها : قوله :﴿وَارْحَمْنَآ ﴾ لأنا طلبنا الهداية منك في قولنا : اهدنا الصراط المستقيم.
وسابعها : قوله :﴿أَنتَ مَوْلَـانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَـافِرِينَ﴾ (البقرة : ٢٨٦) وهو المراد من قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
فهذه المراتب السبع المذكورة في آخر سورة البقرة ذكرها محمد عليه الصلاة والسلام في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت هذه الأنوار في عهد محمد عليه الصلاة والسلام من المصدر إلى المظهر، فلهذا السبب قال عليه السلام :"الصلاة معراج المؤمن".
الفصل الثاني
في مداخل الشيطان
مداخل الشيطان :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
اعلم أن المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة : الشهوة، والغضب، والهوى، فالشهوة بهيمية، والغضب سبعية، والهوى شيطانية : فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منه، والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه، فقوله تعالى :﴿اتْلُ مَآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ﴾ المراد آثار الشهوة، وقوله :﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ المراد منه آثار الغضب، وقوله :﴿وَالْبَغْىَ﴾ (العنكبوت : ٤٥) المراد منه آثار الهوى فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه، وبالغضب يصير ظالماً لغيره، وبالهوى يتعدى ظلمه إلى حضرة جلال الله تعالى، ولهذا قال عليه السلام : الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله، والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً، والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه، فمنشأ الظلم الذي لا يغفر هو الهوى. ومنشأ الظلم الذي لا يترك هو الغضب، ومنشأ الظلم الذي عسى الله أن يتركه هو الشهوة، ثم لها نتائج ؛ فالحرص والبخل نتيجة الشهوة، والعجب والكبر نتيجة الغضب، والكفر والبدعة نتيجة الهوى، فإذا اجتمعت هذه الستة في بني آدم تولد منها سابع ـ وهو الحسد ـ وهو نهاية الأخلاق الذميمة. كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة، ولهذا السبب ختم الله مجامع الشرور الإنسانية بالحسد، وهو قوله :﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (الفلق : ٥) كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة وهو قوله :﴿الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (الناس : ٥) فليس في بني آدم أشر من الحسد كما أنه ليس في الشياطين أشر من الوسواس، بل قيل : الحاسد أشر من إبليس، لأن إبليس روي أنه أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون / من هذا ؟
فقال إبليس : لو كنت إلهاً لما جهلتني، فلما دخل قال فرعون : أتعرف في الأرض شراً مني ومنك، قال : نعم، الحاسد، وبالحسد وقعت في هذه المحنة.
إذا عرفت هذا فنقول : أصول الأخلاق القبيحة هي تلك الثلاثة، والأولاد والنتائج هي هذه السبعة المذكورة فأنزل الله تعالى سورة الفاتحة وهي سبع آيات لحسم هذه الآفات السبع وأيضاً أصل سورة الفاتحة هو التسمية، وفيها الأسماء الثلاثة، وهي في مقابلة تلك الأخلاق الأصلية الفاسدة، فالأسماء الثلاثة الأصلية في مقابلة الأخلاق الثلاثة الأصلية/ والآيات السبع (التي هي الفاتحة) في مقابلة الأخلاق السبعة، ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة، وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة، فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧


الصفحة التالية
Icon