الوجه الثاني : في تفسير هذا التطهير أن يكون المراد منه طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى، وذلك لأن الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح، فإن النجاسة إنما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وإزالته وتبعيده، والكفر المعاصي كذلك، فكانت نجاسات روحانية، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية تسمى طهارة فكذلك إزالة هذه العقائد الفاسدة والأخلاق الباطلة تسمى طهارة، ولهذا التأويل قال الله تعالى :﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فجعل رأيهم نجاسة، وقال ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب : ٣٣) فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم. وقال في حق عيسى عليه السلام :﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ (آل عمران : ٥٥) فجعل خلاصه عن طعنهم وعن تصرفهم فيه تطهيراً له.
جزء : ١١ رقم الصفحة : ٢٩٦
وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إللى هذه الأعضاء المخصوصة وكانت هذه الأعضاء طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة/ فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية والانقياد للربوبية، فكان هذا الانقياد قد أزال عن قلبه آثار التمرد فكان ذلك طهارة، فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة، وتأكد هذا بالأخبار الكثيرة الواردة في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه، وكذا القول في يديه ورأسه ورجائه.
واعلم أن هذه القاعدة التي قررناها أصل معتبر في مذهب الشافعي رحمه الله، وعليه يخرج كثير من المسائل الخلافية في أبواب الطهارة والله أعلم.
أما قوله ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَه عَلَيْكُمْ﴾ ففيه وجهان : الأول : أن الكلام متعلق بما ذكر من أول السورة إلى هنا، وذلك لأنه تعالى أنعم في أول السورة بإباحة الطيبات من المطاعم والمناكح، ثم إنه تعالى ذكر بعده كيفية فرض الوضوء فكأنه قال : إنما ذكرت ذلك لتتم النعمة المذكورة أولاً وهي نعمة الدنيا، والنعمة المذكورة ثانياً وهي نعمة الدين. الثاني : أن المراد : وليتم نعمته عليكم أي بالترخص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض، فاستدلوا بذلك على أنه تعالى يخفف عنكم يوم القيامة بأن يعفو عن ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم.
ثم قال تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ والكلام في "لعل" مذكور في أول سورة البقرة في قوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة : ٢١) والله أعلم
جزء : ١١ رقم الصفحة : ٢٩٦
٣١٨
اعلم أٌّه تعالى لما ذكر هذا التكليف أردفه بما يوجب عليهم القبول والانقياد، وذلك من وجهين : الأول : كثرة نعمة الله عليهم، وهو المراد من قوله ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ومعلوم أن كثرة النعم توجب على المنعم عليه الاشتغال بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما قال ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يقل نعم الله عليكم، لأنه ليس المقصود منه التأمل في إعداد نعم الله، بل المقصود منه التأمل في جنس نعم الله لأن هذا الجنيس جنس لا يقدر غير الله عليه، فمن الذي يقدر على إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، فجنس نعمة الله جنس لا يقدر عليه غير الله، فقوله تعالى :﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ المراد التأمل في هذا النوع من حيث أنه ممتاز عن نعمة غيره، وذلك الامتياز هو أنه لا يقدر عليه غيره، ومعلوم أن النعمة متى كانت على هذا الوجه كان وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل.
المسألة الثانية : قوله ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ مشعر بسبق النسيان، فكيف يعقل نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات، إلاّ أن الجواب عنه أنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد، فصارت غلبة ظهورها وكثرتها سبباً لوقوعها في محل النيسان، ولهذا المعنى قال المحققون : إنه تعالى إنما كان باطناً لكونه ظاهراً، وهو المراد من قولهم : سبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره، واختفى عنها بكمال نوره.
جزء : ١١ رقم الصفحة : ٣١٨